الجزء الاول بقلم محمد عبده

ذهبتُ إلى المدرسة الثانوية وأنا مستعد لتوبيخ ابنتي بسبب «تبذير» الأموال التي كنت أرسلها لها، لكنني اكتشفت أنها كانت مسجلة منذ خمس سنوات كطالبة من أسرة محدودة الدخل.

 

وكانوا يرددون أمامها دائمًا:

 

«والدك تعب من الإنفاق عليكِ.»

 

لم أفتعل أي مشكلة، بل طلبت ملفها الدراسي، وأخرجت كشوف تحويلاتي البنكية، ثم اكتشفت تفصيلًا صغيرًا أثبت أن كل ما حدث لم يكن صدفة… بل كان مخططًا له منذ البداية.

 

الجزء الأول

 

— بنتك صرفت الـ32 ألف جنيه اللي بعتهم لها عشان الكمبيوتر، ودلوقتي بقت ماشية مع شاب حتى مش بيدرس! لو ما جيتش توقفها عند حدها، أنا ماليش دعوة بيها بعد كده.

 

كانت دي كلمات أمي في الهاتف.

 

كنت وقتها في الإسكندرية، محبوسًا داخل مكتبي بعد يوم عمل طويل، وشعرت أن الدم يغلي في عروقي.

 

اسمي أحمد منصور.

 

منذ خمس سنوات وأنا أعمل بعيدًا عن القاهرة، بعدما توفيت زوجتي مريم إثر مرض طويل.

 

الديون تركتنا تقريبًا من غير أي شيء، واضطررت إلى قبول إدارة مشروعات في محافظات بعيدة، لأنني لم أجد طريقة أخرى أعيد بها الاستقرار إلى حياتنا.

 

كانت ابنتي سلمى في العاشرة من عمرها عندما تركتها في رعاية والدتي، الحاجة زينب.

 

ومنذ ذلك الوقت، كنت أرسل المال كل شهر.

 

للطعام.

 

للملابس.

 

للمستلزمات الدراسية.

 

والمواصلات.

 

والعلاج.

 

وكنت أرسل مبلغًا إضافيًا، وكانت أمي تؤكد لي دائمًا أنه مخصص للمصروفات الدراسية والدورات وأي احتياجات طارئة تخص سلمى.

 

لم أتأخر يومًا عن تحويل المال.

 

ومع ذلك، كانت أمي دائمًا تجد سببًا جديدًا للشكوى.

 

— سلمى بقت بتصرف كتير.

 

— بقت كسولة.

 

— عايزة هدوم غالية.

 

— طول الوقت بره البيت.

 

— هي عارفة إنك بعيد، وعشان كده بتستغلك.

 

وكنت أصدقها.

 

مثل الأبله.

 

لكن في ذلك اليوم، قررت أن أذهب إلى القاهرة وأعاقب ابنتي بنفسي.

 

ولم أخبر أحدًا أنني قادم.

 

وصلت إلى مدرستها الثانوية قبل موعد الغداء بقليل، وبدأت أبحث عنها بين الطلاب.

 

احتجت إلى عدة دقائق حتى أتعرف عليها.

 

كانت سلمى تجلس وحدها على مقعد حجري في فناء المدرسة.

 

كانت ترتدي زيًا مدرسيًا باهت اللون، وحذاءً رياضيًا قديمًا لدرجة أن نعل أحدهما بدأ ينفصل عن الحذاء.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *