الجزء الاول بقلم محمد عبده

أخذتني إلى غرفة للمذاكرة حيث كانت سلمى تؤدي واجباتها.

 

وقفت عند الباب دون أن تشعر بوجودي.

 

رأيتها تفتح حقيبتها.

 

تخرج نصف رغيف الخبز الذي احتفظت به.

 

ثم تقطعه إلى قطع صغيرة داخل كوب، وتسكب عليه بعض الماء الساخن من جهاز الشرب.

 

تجمدت في مكاني.

 

همست الأستاذة نادية:

 

— بتعمل كده كتير.

 

ثم أضافت:

 

— بتاكل نص الرغيف وقت الظهر، وتحتفظ بالباقي عشان آخر اليوم.

 

شعرت بالخجل.

 

ثم بالغضب.

 

ثم بشيء أسوأ بكثير…

 

الخوف.

 

نظرت إلى الأستاذة وسألتها:

 

— سلمى عندها وشم؟

 

نظرت إليّ باستغراب.

 

— لا.

 

— عندها أي حلق أو شيء من النوع ده؟

 

— لا.

 

— بتغيب عن المدرسة؟ عندها أصحاب سيئين؟ أو في شاب بيضايقها؟

 

نظرت إليّ الأستاذة نادية طويلًا قبل أن تقول:

 

— أستاذ أحمد… بنتك من أفضل الطالبات في المدرسة كلها.

 

ثم فتحت صفحة أخرى من ملفها.

 

— درجاتها من أعلى الدرجات هنا.

 

شعرت بأن الأرض تهتز تحت قدمي.

 

فتحت سجل التحويلات مرة أخرى.

 

آلاف الجنيهات.

 

عشرات الآلاف.

 

شهرًا بعد شهر.

 

عامًا وراء عام.

 

وفي الجهة الأخرى كانت ابنتي تأكل قطعة خبز مبللة بالماء، بينما كنت أنا طوال خمس سنوات أصدق أنها تنفق أموالي بلا حساب.

 

ثم أخرجت الأستاذة نادية ملفًا آخر ووضعته أمامي.

 

— شوف الطلب ده.

 

نظرت إلى الورقة.

 

كانت عبارة عن طلب للحصول على دعم مالي.

 

وفي خانة دخل الأسرة، كان مكتوبًا:

 

«لا توجد مساهمة منتظمة من الأب.»

 

تحتها مباشرة كانت هناك خانة التوقيع.

 

وكان التوقيع…

 

توقيع أمي.

 

في تلك اللحظة فهمت الحقيقة.

 

أنا لم أعد إلى القاهرة لأعاقب سلمى.

 

لقد عدت لأكتشف من الذي ظل خمس سنوات يحرم ابنتي من أبسط حقوقها…

 

حتى الطعام.

 

والأخطر من ذلك…

 

من الذي جعلها تعتقد أن والدها البعيد لم يعد يريد الإنفاق عليها؟

 

لكنني لم أكن أعرف أن ملف المساعدات لم يكن سوى بداية الحقيقة.

 

فبعد دقائق، وضعت الأستاذة نادية أمامي ورقة أخرى، وقالت:

 

— أستاذ أحمد… فيه حاجة لازم تشوفها بنفسك.

 

نظرت إلى الورقة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *