الجزء الاول بقلم محمد عبده

 

لكن الشيء الذي جعلني أتجمد في مكاني كان الطعام.

 

لم يكن معها ساندويتش.

 

ولا فاكهة.

 

ولا حتى كيس بطاطس.

 

كانت تمسك فقط بنصف رغيف خبز.

 

أخذت تقضم منه ببطء.

 

ثم لفّت النصف المتبقي في منديل ووضعته داخل حقيبتها.

 

وشربت بعض الماء من زجاجة قديمة أعادت ملأها أكثر من مرة.

 

ثم وقفت.

 

اختبأت قبل أن تراني.

 

تابعتها من بعيد حتى وصلت إلى محل صغير أمام المدرسة.

 

وقفت سلمى تنظر إلى عربة الطعام أمامها لعدة ثوانٍ.

 

كانت عيناها معلقتين بالطعام.

 

ثم أدخلت يدها في جيبها، وأخرجت بعض العملات المعدنية، وراحت تعدها.

 

نظرت إلى الطعام مرة أخرى…

 

ثم أعادت العملات إلى جيبها وانصرفت دون أن تشتري شيئًا.

 

شعرت أن شيئًا باردًا مر في جسدي.

 

فأنا كنت قد أرسلت لوالدتي 32 ألف جنيه قبل أربعة أيام فقط.

 

دخلت مباشرة إلى مكتب شؤون الطلاب.

 

وقلت:

 

— أنا والد سلمى منصور.

 

رفعت مسؤولة شؤون الطلاب، الأستاذة نادية، رأسها بسرعة.

 

واتسعت عيناها.

 

— حضرتك أحمد؟

 

كان هناك شيء غريب في نبرة صوتها جعلني أشعر بعدم الارتياح.

 

أخرجت ملف سلمى.

 

كان اسمي مكتوبًا باعتباري والدها وولي أمرها.

 

لكن رقم الهاتف الموجود في الملف لم يكن رقمي.

 

بل كانت هناك ثلاثة أرقام مختلفة تمامًا.

 

ثم بدأت الأستاذة نادية تقلب بقية الأوراق.

 

وفجأة عقدت حاجبيها.

 

— أستاذ أحمد… سلمى بقالها سنين بتاخد مساعدات باعتبارها طالبة من أسرة محدودة الدخل.

 

حدقت فيها غير مصدق.

 

— محدودة الدخل؟

 

— أيوه. عندها دعم للوجبات، والكتب، والزي المدرسي، والمواصلات.

 

ضحكت من شدة توتري.

 

— أكيد فيه خطأ. أنا بحول لوالدتي كل شهر مبالغ كبيرة، وأحيانًا بتوصل لخمسين ألف جنيه.

 

توقفت المرأة للحظة.

 

ثم قالت:

 

— كل شهر؟

 

أخرجت هاتفي فورًا.

 

فتحت تطبيق البنك وبدأت أعرض عليها التحويلات.

 

شهرًا بعد شهر.

 

سنة بعد سنة.

 

وخمس سنوات كاملة من التحويلات.

 

كانت تنظر إلى الشاشة، ثم تنظر إليّ.

 

وأخيرًا قالت بصوت منخفض:

 

— إذن عندنا مشكلة خطيرة جدًا.

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *