الجزء الثاني فضل والدي واقف مكانه، وكأنه مش قادر يستوعب اللي سمعه. —إنتِ فاكرة إنك تقدري تفتحي شركة وتنافسي «آفاق»؟ ضحكت هالة بسخرية. —دي حتى مش هتعرف تدفع إيجار مكتب أسبوعين! بصيت لها من غير ما أرد. أنا كنت عارفة إنهم لسه شايفيني مريم القديمة. البنت اللي كانت بتشتغل من الصبح لحد نص الليل، وتصلح أخطاء غيرها، وتتحمل اللوم لما أي حاجة تحصل. لكنهم ما كانوش يعرفوا إني من سنتين وأنا بشتغل في هدوء على حاجة خاصة بيا. وما كانوش يعرفوا كمان إن معظم العملاء اللي كانوا فاكرين إنهم متعلقين باسم «آفاق» كانوا في الحقيقة بيتعاملوا معايا أنا. والأهم... إن قبل ما آجي للعزومة بساعات، كنت قابلت محاميًا في مكتب صغير بوسط الإسكندرية. ووقّعت على عقد شراء حصة مسيطرة في شركة ناشئة كانت «آفاق» بتحاول تستحوذ عليها من شهور. والشركة دي كانت تمتلك أهم نظام برمجي بتعتمد عليه «آفاق» في جزء كبير من شغلها. والدي قرب مني. —إنتِ بتلعبي بالنار يا مريم. رديت بهدوء: —أنا طول عمري كنت بلعب لوحدي، يا بابا. الفرق إن المرة دي أنا اخترت قواعد اللعبة. سكت لحظة. ثم قال: —كل اللي عندك في الشركة ملك لينا. هنا أخرجت من حقيبتي نسخة من مستند. حطيتها قدامه على الترابيزة. —اقرأ البند الرابع. مد إيده، وبدأ يقرأ. تغيرت ملامحه. أمي قربت منه. —في إيه يا فؤاد؟ ما ردش. هالة خطفت الورقة من إيده. بدأت تقرأ بسرعة، وبعد ثواني رفعت عينيها نحوي. —إنتِ كنتِ مخططة لكل ده؟ قلت: —أنا كنت بحاول أحمي نفسي. والدي ضرب الورقة على الترابيزة. —إنتِ بتخوني عيلتك! بصيت ناحية نور. كانت واقفة بعيد، ولسه ماسكة الحصان البلاستيك المكسور. قلت: —الخيانة إنك تضحك على طفلة عمرها ثماني سنين عشان تحسسها إنها أقل من غيرها. ساد الصمت. ثم حملت حقيبتي. —يلا يا نور. جريت بنتي ناحيتي. قبل ما نخرج، سمعت والدي يقول: —استني! وقفت. —لو خرجتي من الباب ده، ما ترجعيش تطلبي مني أي مساعدة. التفت له. —أنا مش محتاجة مساعدتك. وبعدين بصيت لنور وقلت: —إحنا هنبدأ من جديد. خرجنا من البيت. وفي العربية، كانت نور ساكتة. بعد دقائق، سألتني: —ماما؟ —نعم يا حبيبتي؟ —هو أنا فعلًا أقل منهم؟ ركنت العربية على جنب، ونزلت لمستواها. مسكت وشها بين إيديا. —إنتِ مش أقل من أي حد. وإحنا مش هنقيس قيمة الإنسان بسعر الهدية اللي بياخدها. بصت للحصان المكسور. —ممكن نصلحه؟ ابتسمت. —أكيد. ما كنتش عارفة إن الحصان ده نفسه هيبقى بعد أيام رمزًا لشيء أكبر بكتير. في صباح اليوم التالي، وصلتني رسالة من رقم غريب. «أستاذة مريم، محتاجين نقابلك قبل ما تبدأي شركتك رسميًا. الموضوع متعلق بالعقد اللي وقعتيه أمس.» قرأتها مرتين. اتصلت بالرقم. جاءني صوت رجل هادئ: —أنا المستشار سامح البدري. —خير؟ قال: —في معلومة لازم تعرفيها قبل ما تفتحي شركتك. سكت لحظة، ثم قال: —والدك عرف بالصفقة. تجمدت. —عرف إزاي؟ رد: —المشكلة مش إنه عرف. —أمال إيه؟ قال بصوت أخفض: —المشكلة إنه بيحاول يلغي العقد قبل ما يبدأ سريانه. نظرت من النافذة. ولأول مرة منذ خرجت من بيت عائلتي، أدركت إن المواجهة الحقيقية لسه ما بدأتش. الجزء الثالث —إزاي يقدر يلغي العقد؟ سألت المستشار سامح وأنا حاسة إن قلبي بدأ يدق بسرعة. رد بهدوء: —لوحده مش هيقدر. لكن والدك قدم طلب رسمي بيشكك في ملكيتك للحصة اللي اشتريتيها. —بيشكك في ملكيتي؟ —أيوه. بيقول إن الأموال اللي دفعتيها جاية من أرباح شركة «آفاق»، وبالتالي الصفقة تمت باستخدام أموال تخص الشركة. ضحكت من شدة الصدمة. —دي فلوسي أنا! —أنا عارف. وعشان كده لازم تتحركي بسرعة. قفلت المكالمة، وفضلت قاعدة في العربية لدقائق. كنت متوقعة إنه يحاول يخوفني. لكن ما توقعتش إنه يوصل للدرجة دي. رجعت البيت، فتحت درج المكتب، وأخرجت ملفًا قديمًا. كان فيه كل التحويلات البنكية، وكل الإيصالات، وكل العقود اللي تثبت إن الأموال كانت من مدخراتي الشخصية. كنت محتفظة بكل شيء. لأني من أول يوم اشتغلت فيه مع والدي، كنت حاسة إن اليوم ده ممكن ييجي. في نفس المساء، وصلني إيميل من «آفاق». كان عنوانه: إخطار قانوني بشأن ممتلكات الشركة وبيانات العملاء. فتحته. كانوا بيتهموني باستخدام معلومات سرية تخص الشركة في تأسيس مشروعي الجديد. والدي لم يكتفِ بمحاولة إلغاء الصفقة. كان بيحاول يمنعني حتى من ممارسة نفس مجال عملي. لكن فيه حاجة واحدة ما كانش يعرفها. قبل خروجي من الشركة بأسبوعين، كنت قد سلّمت كل ملفات العملاء إلى الإدارة. وما احتفظتش بأي نسخة. كل ما أملكه هو خبرتي. والخبرة مش ملك حد. في اليوم التالي، دخلت مكتبي الجديد. كان صغيرًا جدًا مقارنة بمقر «آفاق». مكتبين، غرفة اجتماعات، وثلاثة أجهزة كمبيوتر. لكن فوق الباب كان فيه لافتة صغيرة: شركة أفق جديد للحلول الرقمية وقفت قدامها للحظات. الاسم كان مقصودًا. مش علشان أستفز والدي. لكن علشان أفكر نفسي إن النهاية ممكن تكون بداية. دخلت أول موظفة عندي، نجلاء. قالت وهي تبتسم: —مستعدة؟ قلت: —أكتر من أي وقت. وقبل الظهر، حصل أول شيء ما كنتش متوقعاه. عميل كبير من عملاء «آفاق» اتصل بيا. قال: —إحنا سمعنا إنك خرجتي من الشركة. —أيوه. —وإحنا عايزين نكمل شغلنا معاكي. اترددت. —بس لازم تعرف إن ده ممكن يعمل مشكلة بينكم وبين الشركة القديمة. ضحك الرجل. —إحنا مش متعلقين باسم الشركة. إحنا متعلقين بالشخص اللي كان بيدير المشروع. قفلت المكالمة وأنا مش مصدقة. بعدها بساعتين، اتصل عميل تاني. ثم ثالث. وقبل نهاية اليوم، كان عندي سبع طلبات جديدة. لكن الفرحة ما استمرتش طويلًا. لأن الساعة السادسة مساءً، وصلتني رسالة من أمي. «تعالي البيت. والدك عايز يتكلم معاكي لوحدك.» كنت أعرف إن فيه حاجة غلط. اتصلت بها. —في إيه؟ قالت بصوت متوتر: —تعالي بس. —مش هقدر. سكتت. ثم قالت: —نور معاكِ؟ —أيوه. —خلي بالك منها. اتجمدت. —ليه؟ حصل إيه؟ لكنها قفلت الخط. في نفس اللحظة، جالي اتصال من رقم مجهول. رديت. صوت رجل قال: —لو كنتِ عايزة بنتك تفضل بعيدة عن المشاكل، لازم توقفي المشروع. اتسمرت مكاني. —إنت مين؟ —مش مهم أنا مين. —إنت بتتكلم عن بنتي؟ ضحك بهدوء. —اعتبريها نصيحة. قفلت المكالمة فورًا. قلبي كان بيخبط بعنف. جريت ناحية نور. كانت قاعدة على الأرض، وبتحاول تصلح رجل الحصان البلاستيك باستخدام قطعة لاصقة. رفعت عينيها لي. —ماما، بصي! تقريبًا اتصلح. حضنتها بقوة. في اللحظة دي، فهمت إن الموضوع خرج من نطاق المنافسة في الشغل. والدي لم يعد يحاول فقط استعادة الشركة. كان يحاول يخوفني. لكن قبل ما أعمل أي خطوة، وصلني إيميل جديد. المُرسل كان المستشار سامح. فتحت الرسالة. وكان فيها ملف واحد فقط. اسمه: «المستند الذي لم يره والدك بعد» فتحت الملف. وقرأت أول سطر. وبعد ثوانٍ، شعرت إن الدم انسحب من وجهي. لأن المستند كان يحمل توقيع والدي نفسه. والتاريخ كان قبل أكثر من عشر سنوات. والأخطر... إنه كان يثبت أن جزءًا كبيرًا من الشركة لم يكن ملكه أصلًا. كان هناك اسم شخص آخر في العقد. شخص لم أسمع باسمه طوال حياتي. والدتي. الجزء الرابع فضلت باصة للشاشة ومش قادرة أستوعب اللي قدامي. اسم أمي كان موجود في العقد. مش مجرد توقيع عادي. كانت مالكة لنسبة كبيرة من أسهم الشركة وقت تأسيسها. والدي كان مذكورًا في العقد كمدير ومسؤول عن الإدارة فقط. يعني ببساطة... «آفاق» ما كانتش شركته بالكامل. كانت أمي شريكة أساسية فيها. اتصلت بالمستشار سامح فورًا. —إيه ده؟ قال: —ده أصل الحكاية. —إنت كنت عارف؟ —عرفت من فترة قصيرة. وكنت محتاج أتأكد من صحة المستند قبل ما أبلغك. —بس أمي عمرها ما قالت لي حاجة عن ده. —لأنها وقعت على تنازل بعد كده. —تنازل؟ —أيوه. لكن هنا المفاجأة. فتحت الملف الثاني. كان فيه عقد تنازل. وتحت العقد توقيع أمي. لكن سامح قال: —التوقيع ده عليه مشكلة. سألته: —يعني إيه؟ —خبير الخط قال إن فيه اختلافات واضحة بين التوقيع ده وتوقيعات والدتك الرسمية. حسيت إن نفسي اتقطع. —تقصد إن أمي ممكن ما تكونش وقعت؟ —بالضبط. فضلت ساكتة. كل السنين اللي فاتت بدأت ترجع قدامي. أمي كانت دايمًا هادية. لما والدي يعصب، تسكت. لما هالة تطلب حاجة، توافق. ولما أنا أشتكي من الشغل، كانت تقول: «اصبري... دي عيلتك.» لكن فجأة بدأت أشك في كل شيء. سألت سامح: —مين كان محتفظ بالعقد الأصلي؟ قال: —في خزنة الشركة. —ومين عنده مفتاح الخزنة؟ سكت لحظة. ثم قال: —والدك. قفلت المكالمة. في نفس الليلة، اتصلت بأمي. ردت بعد الرنة الثالثة. —ماما... إنتِ كنتِ شريكة في «آفاق»؟ صمت طويل. قلت: —ماما، أنا بسألك. سمعت صوت أنفاسها. ثم قالت: —مين قال لك؟ —المستندات. بدأ صوتها يرتجف. —كان لازم تعرفي يومًا ما. —طب ليه ما قلتيليش؟ —لأن أبوك كان مهددني. تجمدت. —مهددك بإيه؟ قالت: —من سنين، كان عندي مستندات تثبت إنه استخدم جزء من أموال الشركة في صفقات شخصية. —وإنتِ سكتِ؟ —كنت خايفة عليكِ وعلى أخوكي وأختك. صمتت لحظة ثم أضافت: —لكن سكوتي خلاه يتمادى. سألتها: —والتنازل اللي عليه توقيعك؟ سمعت شهقة. —إنتِ لقيتيه؟ —أيوه. قالت بصوت منخفض: —أنا ما وقعتش عليه. جلست على الكرسي. كل شيء بدأ يركب فوق بعضه. والدي كان يحاول من يومين يثبت إن فلوسي جاية من الشركة. وفي نفس الوقت، كان يخفي مستندًا ممكن يغيّر ملكية الشركة بالكامل. قلت لأمي: —لازم نشوف العقد الأصلي. قالت بسرعة: —لا. —ليه؟ —لأن أباك لو عرف إنك بتدوري عليه، مش هيسكت. —هو بالفعل مش ساكت يا ماما. سكتت. ثم قالت: —العقد مش في الشركة. —فين؟ ردت بعد تردد: —في بيت قديم لينا في برج العرب. اتسعت عيناي. —إنتِ متأكدة؟ —أيوه. —مين يعرف مكانه؟ قالت: —أنا وأبوك بس. وقبل ما أقفل، قالت: —مريم... —نعم؟ —لو لقيتي العقد، ما تثقيش في أي حد. قلت: —حتى إنتِ؟ صمتت. ثم ردت: —خصوصًا الشخص اللي هيحاول يقنعك إن الموضوع كله لصالحك. قفلت المكالمة. فضلت الجملة تدور في دماغي. «ما تثقيش في أي حد.» في صباح اليوم التالي، أخذت نور وذهبت بها إلى المدرسة. وبعد ما تأكدت إنها دخلت، توجهت إلى برج العرب. كنت فاكرة إن الموضوع مجرد عقد قديم. لكن أول ما وصلت للبيت، لاحظت إن الباب الخارجي كان مفتوحًا. وقفت مكاني. أنا كنت متأكدة إن البيت مهجور. دخلت بحذر. الأثاث كله كان مغطى بقطع قماش. لكن على الأرض كانت هناك آثار أقدام حديثة. حد كان هنا قبلي. مشيت ناحية الغرفة اللي وصفتها أمي. فتحت الدولاب القديم. لقيت صندوقًا خشبيًا. مددت إيدي نحوه. وقبل ما ألمسه... سمعت صوت باب البيت بيتقفل بعنف. استدرت بسرعة. وكان والدي واقف عند المدخل. لكن المرة دي... ما كانش لوحده. كان معاه شخص ما شفتهوش قبل كده. والدي ابتسم وقال: —كنت عارف إنك هتيجي هنا. ثم رفع هاتفه وقال: —دلوقتي بقى عندي سبب قانوني أقوى أوقف بيه شركتك. بصيت للرجل اللي جنبه. كان ماسك ملفًا أسود. قال والدي: —اسمحي لي أعرفك على الشخص اللي هيشهد ضدك. تقدّم الرجل خطوة. وأول ما شفت وجهه، عرفته. كان محامي العيلة. نفس المحامي اللي كان حاضر يوم تأسيس «آفاق». لكن المفاجأة الحقيقية كانت في الكلام اللي قاله بعدها: —أنا آسف يا مريم... بس والدك مش هو الشخص اللي لازم تخافي منه. ثم نظر إلى الصندوق الخشبي وقال: —لأن المستند اللي جوا الصندوق ده ممكن يدمّر حياة والدتك... مش والدك. كانت ابنتي تحتضن حصانًا بلاستيكيًا مكسورًا، بينما كانت عائلتي تضحك، ووالدي يقول أمام الجميع: «الهدايا الحقيقية لأحفادنا اللي يستاهلوا.» ما صرختش، وما رديتش عليه قدام الأطفال. استنيت عشرين دقيقة، وبعدها أخذت الهديتين اللي كنت شاريتهما لوالديّ، وبلغتهم إني مش هشتغل معاهم تاني. لكن القلق الحقيقي ظهر على وشوشهم لما قلت لهم عن الورقة اللي كنت لسه موقّع عليها. الجزء الأول —نور هي أقل حفيدة تهمنا. الهدايا الحقيقية لأحفادنا التانيين. قالها والدي وهو بيضحك، وكوب العصير في إيده، قدام كل أفراد العيلة. كانت ابنتي عندها ثماني سنين. لثانيتين، محدش اتكلم. وبعدين بدأت الضحكات. أختي هالة حطت إيدها على بوقها، كأنها مصدومة، بينما ولاداها التوأم، ياسين وآدم، بدأوا يضحكوا لمجرد إن الكبار بيضحكوا. أما أمي، سعاد، فلم تحاول حتى تصحيح كلام والدي. نور كانت قاعدة جنبي، وحاضنة حصان بلاستيك رخيص، إحدى رجليه مكسورة. كانت دي هديتها. الكيس كان متكرمش، وعليه ملصق من محل بيبيع البضائع المخفضة. والحصان نفسه كان عليه آثار أقلام سوداء. وعلى بُعد خطوات منها، كان أولاد خالتها ماسكين أجهزة لوحية جديدة، ودراجات، وأحذية غالية، ومظاريف فيها فلوس. حتى الكلب جابوا له سرير جديد. بصت نور للحصان المكسور، وسألت بصوت واطي: —جدو... هو ده بجد بتاعي؟ والدي، فؤاد، انفجر في الضحك مرة تانية. —طبعًا. عشان تتعلمي إن مش كل الناس ينفع يكونوا المفضلين. ساعتها بدأت بنتي تبكي. ما عملتش مشكلة. ما صرختش. بس غطت وشها بإيديها، وحاولت تاخد نفسها من غير ما حد يسمع صوت شهقاتها. وده وجعني أكتر. لأني كنت عارفة طريقة البكاء دي. أنا نفسي اتعلمتها في البيت ده. سنين طويلة، وأبويا وأمي موضحين ترتيب أفراد العيلة من غير ما يقولوا الكلام صراحة. هالة كانت البنت المفضلة. وأولادها ما حدش يقدر يلمسهم بكلمة. أخويا كريم كان مقبول طول ما ما يعترضش على حد. أما أنا، مريم، فكنت الشخص اللي بيغطّي الغياب، ويصلح الأخطاء، ويرد على المكالمات والرسائل في نص الليل في شركة العيلة «آفاق للحلول» في الإسكندرية. كنت مفيدة. لكن ده عمره ما كان معناه إني محبوبة. ومع ذلك، ارتكبت غلطة كبيرة لما صدقت إن الموضوع هيكون مختلف مع نور. كانت نور مجهزة برواز صغير من الكرتون، وحاطة فيه صورة ليها مع جدو على كورنيش الإسكندرية. بالنسبة لها، الصورة كانت ذكرى غالية. أما بالنسبة له، فلم تكن تعني شيئًا. فجأة وقف كريم من مكانه. —كفاية بقى. الموضوع مش مضحك. إنتوا كده بتهينوا طفلة. ضرب والدي إيده على الترابيزة. —إنت مالك؟ ما تدخلش نفسك. هالة قلبت عينيها وقالت: —يا جماعة ما تكبروش الموضوع. نور لازم تتعلم إن الحياة مش بتدي كل الناس نفس الحاجة. مسكت إيد بنتي وأخذتها ناحية الممر. بصت لي وسط دموعها وقالت: —ماما... يمكن الهدية الحلوة بتاعتي مستخبية في أوضة تانية؟ حسيت كأن حاجة اتكسرت جوايا. نزلت لمستواها، ومسحت دموعها. —لا يا حبيبتي... مفيش هدية تانية. انفجرت في البكاء. وفي اللحظة دي فهمت إن سكوتي مش هيحميني. لو فضلت ساكتة، هبقى أنا كمان جزء من اللي بيحصل لها. بعد عشرين دقيقة، رجعت للصالة. كانوا كلهم رجعوا ياكلوا التورتة، وهالة كانت بتصور فيديوهات عن «أجمل بداية للسنة الجديدة». أما والدي، فكان بيتكلم عن شغل الشركة وكأن مفيش أي حاجة حصلت. مشيت ناحية الشجرة. مددت إيدي، وأخذت الهديتين الغاليتين اللي كنت شاريتهما لوالديّ، ورجعت حطيتهم في الأكياس. والدي بص لي باستغراب. —إنتِ بتعملي إيه؟ بصيت له بهدوء غريب حتى عليّ أنا. وقلت: —أنا كمان جبت لكم هدية السنة الجديدة. سكتت الصالة كلها. والدي عقد حاجبيه. —هدية إيه؟ حطيت الأكياس على الترابيزة وقلت: —أنا استقلت من «آفاق». وشه اتغير. أمي وقعت المعلقة من إيدها جوه الفنجان. هالة قامت من مكانها. أما والدي فقال بسرعة: —استقلتي؟ يعني إيه استقلتي؟ رديت بهدوء: —يعني من يوم الاتنين مش هكون موظفة عندكم. وبعدين أضفت: —والأهم من كده... يوم الاتنين هفتح شركتي الخاصة. ساد الصمت. حدق فيّ والدي كأنه مش مصدق. —شركتك الخاصة؟ هززت رأسي. —أيوه. —وفين؟ ابتسمت لأول مرة. —على بُعد شارعين بس من شركتكم. اختفت الابتسامة تمامًا من وجه والدي. أمي بدأت تبص لي بقلق. أما هالة فقالت بعصبية: —إنتِ مستحيل تكوني بتتكلمي بجد! لكنهم لسه ما كانوش يعرفوا أهم جزء. الجزء اللي لو عرفوه، هيخلّي الضحك اللي ملأ البيت من شوية يتحول لخوف حقيقي. لأن قبل ما أرجع للبيت في الليلة دي، كنت ماضية على مستند واحد... مستند كان ممكن يغيّر مستقبل شركتهم بالكامل. وهم ما كانوش يعرفوا إن الشخص اللي كانوا بيعتبرونه مجرد موظفة عندهم... كان على وشك يبقى أكبر منافس ليهم. الجزء قبل الأخير تجمدت في مكاني. بصيت للمحامي، ثم لوالدي، وبعدها للصندوق الخشبي. —إنت بتقول إيه؟ المحامي ما ردش فورًا. أما والدي، فابتسم ابتسامة غريبة. —افتحي الصندوق يا مريم. —ليه؟ —عشان تعرفي الحقيقة كاملة. قربت من الصندوق، لكني ما لمستوش. —أنا مش هفتح حاجة قبل ما أعرف إيه اللي جواه. المحامي تنهد وقال: —والدتك لم تكن ضحية كما تعتقدين. الكلمة نزلت عليّ كأنها صدمة. —قصدك إيه؟ فتح الملف الأسود الذي كان يحمله، وأخرج مجموعة أوراق. —من عشرين سنة، والدتك ووالدك أسسا الشركة معًا. لكن بعد أول سنوات، بدأت تحصل خلافات مالية كبيرة. قاطعته: —أنا عارفة إن أمي كانت شريكة. —لا. أنتِ لا تعرفين كل شيء. وضع ورقة أمامي. —والدتك كانت صاحبة فكرة المشروع الأصلية، لكن والدك هو الذي تولى الإدارة. وبعد فترة اكتشفت أن والدك كان يسحب مبالغ من حسابات الشركة. بصيت لوالدي. كان ساكتًا. —وده يثبت إيه؟ قال المحامي: —يثبت إن والدك لم يكن وحده. فتحت الورقة. وكان فيها توقيع أمي. لكن التوقيع هذه المرة كان حقيقيًا. قرأت السطر الأول. «أقر أنا... بالموافقة على تحويل جزء من أصول الشركة إلى...» رفعت عيني. —إلى مين؟ المحامي لم يجب. مددت إيدي وأخذت الورقة الثانية. ثم شعرت أن الأرض اختفت من تحت قدمي. اسم المستفيد كان... هالة. أختي. بصيت لوالدي. —إنت نقلت أموال الشركة لهالة؟ قال بسرعة: —مش أنا لوحدي. ثم نظر إلى المحامي. —هي كانت عارفة. بدأت أفهم. الهدايا. التفضيل. الأموال. الصفقات. السنين كلها. ما كانش مجرد حب زائد لهالة. كان فيه شيء أكبر. قلت: —وليه أنا؟ رد والدي: —لأنك الوحيدة اللي رفضت تمشي في الطريق اللي رسمناه لك. ضحكت بمرارة. —يعني كل اللي حصل لي كان عقاب؟ ما ردش. المحامي قال: —في الحقيقة، والدك كان يريد إخراجك من الشركة منذ سنوات. —ليه؟ —لأن وجودك كان خطرًا عليه. فتحت الملف بسرعة. كان فيه تقارير مالية، وتحويلات، ورسائل إلكترونية. وفي وسط الأوراق، وجدت نسخة من رسالة قديمة أرسلتها أمي إلى والدي. قرأتها. وكان معناها واضحًا: «لو حصل لي أي شيء، لازم مريم تعرف الحقيقة.» رفعت رأسي. —أمي كانت عارفة إن ده ممكن يحصل؟ المحامي قال: —أمك حاولت تحميك. والدي انفجر: —كفاية! ضرب الملف من إيدي. —إنتِ مش فاهمة حاجة! قلت: —أنا فاهمة أكتر مما تتخيل. ثم أخرجت هاتفي. —والمرة دي أنا مش جاية لوحدي. تغير وجه والدي. —مين معاكي؟ قلت: —المستشار سامح. ثم أضفت: —وكل المستندات اللي عندي اتبعتت بالفعل لجهة قانونية. لأول مرة، اختفت الثقة من عينيه. قال: —إنتِ ما كنتيش تعرفي كل ده قبل ما تيجي هنا. ابتسمت. —صح. ثم نظرت للصندوق. —بس أنا كنت عارفة حاجة واحدة. —إيه؟ —إنك هتخاف لما أطلب العقد الأصلي. فتح فمه، لكنه لم يجد ما يقوله. في تلك اللحظة، رن هاتفي. كانت أمي. رديت. صوتها كان يرتجف: —مريم... ارجعي فورًا. —ماما، إنتِ فين؟ —في المستشفى. تجمدت. —إيه اللي حصل؟ قالت: —أبوك عرف إني كنت بتكلم معاكي. ثم سكتت لحظة. —وفي حاجة تانية لازم تعرفيها. —إيه؟ قالت بصوت منخفض: —العقد الأصلي مش في الصندوق. نظرت إلى الصندوق. كان مفتوحًا الآن. فارغًا. قالت أمي: —أنا خبّيته من عشرين سنة في مكان ما حدش يعرفه. —فين؟ سمعت صوتها يرتجف. —في بيتك إنتِ. اتسعت عيناي. —بيتي؟ —أيوه. ثم قالت: —وتحت البلاطة اللي جنب غرفة نور... هتلاقي الحقيقة كلها. نظرت إلى والدي. كان وجهه قد أصبح شاحبًا. وفجأة فهمت لماذا كان خائفًا. العقد لم يكن يثبت ملكية أمي للشركة فقط. كان يخفي سرًا آخر... سرًا يتعلق بولادتي أنا. وساعتها أدركت إن كل اللي حصل من أول يوم... ما كانش بسبب الشركة وحدها. النهاية رجعت على بيتي بأقصى سرعة. طول الطريق، كلام أمي ما فارقش دماغي: «تحت البلاطة اللي جنب غرفة نور... هتلاقي الحقيقة كلها.» وصلت، وفتحت الباب، ودخلت على طول ناحية غرفة بنتي. نور كانت عند جدتها من ناحية والدي، لكني ما كانش عندي وقت أفكر في أي حاجة. نزلت على الأرض، وبدأت أدور جنب الحائط. وبعد دقائق، لاحظت إن واحدة من البلاطات لونها مختلف شوية. رفعتها. كان تحتها صندوق معدني صغير. إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه. جواه كان فيه عقد قديم، ومجموعة صور، ورسالة مكتوبة بخط أمي. فتحت العقد. وفي أول صفحة كان واضحًا إن أمي كانت بالفعل شريكة أساسية في تأسيس الشركة. لكن الصفحة التالية كانت الصدمة. كان فيه بند ينص على أن نسبة من أسهم الشركة ستنتقل إليّ أنا عند بلوغي سن الأربعين، بشرط ألا أكون قد حصلت على أي منصب إداري داخل الشركة قبل ذلك. يعني أمي كانت بتجهز مستقبلي من سنين. لكن كان فيه شرط آخر. لو حاول والدي التخلص مني من الشركة أو حرماني من حقوقي، تنتقل ملكية نسبة أكبر من الأسهم إليّ فورًا. ضحكت من شدة الصدمة. والدي كان طول الوقت بيحاول يخرجني من الشركة... وهو بنفسه كان بيقربني من امتلاكها. فتحت الرسالة. وكانت كلمات أمي بسيطة: «مريم، لو وصلتي للورقة دي، يبقى إنك كبرتي وبقيتي قادرة تختاري طريقك بنفسك. أنا ما كنتش عايزة أربيك على الانتقام. كنت عايزاكي تعرفي قيمتك، حتى لو الناس اللي حواليكي حاولوا يقنعوكي إنك أقل منهم.» نزلت دموعي. ثم وجدت صورة قديمة. أنا طفلة صغيرة، وأمي واقفة جنبي. لكن في الخلفية كان والدي يحمل طفلة أخرى. هالة. وعلى ظهر الصورة جملة قصيرة: «اليوم الذي بدأ فيه كل شيء.» اتصلت بالمستشار سامح. أرسلت له صور المستندات. وبعد دقائق قال: —مريم، المستند ده يغيّر كل القضية. —يعني إيه؟ —يعني إن الشركة مش من حق والدك وحده، وإن محاولته طردك ممكن تكون هي السبب في انتقال الملكية ليكي. في اليوم التالي، انعقد اجتماع طارئ. والدي حضر ومعاه محاميه. أمي حضرت رغم إنها كانت لسه في المستشفى، وجلست على كرسي متحرك. أما هالة، فكانت أول مرة تدخل الاجتماع من غير ما ترفع رأسها. وُضعت المستندات على الطاولة. وبعد ساعات من المناقشات، ظهرت الحقيقة كاملة. الأموال التي تم تحويلها إلى حسابات باسم هالة لم تكن هدايا. كانت جزءًا من أموال الشركة. والتنازل الذي يحمل توقيع أمي ثبت أنه مزور. أما أنا، فكانت لدي حقوق قانونية في الشركة لم أكن أعرف عنها شيئًا. وفي النهاية، تم تجميد قرارات والدي الإدارية لحين انتهاء التحقيقات. هالة خسرت كل الامتيازات التي حصلت عليها. والدي اضطر إلى التنحي عن الإدارة. أما أنا... فلم آخذ الشركة منه. لم أكن أريدها بهذه الطريقة. اخترت أن أحتفظ بحصتي القانونية فقط، وأكمل شركتي الجديدة بعيدًا عنهم. بعد عدة أشهر، أصبحت شركتي تنمو بسرعة. لم تكن ضخمة. لكنها كانت ملكي. وفي يوم افتتاح فرع جديد، جاءت نور معي. كانت تحمل شيئًا في يدها. نظرت إليها. —إيه ده؟ ابتسمت. كانت تحمل الحصان البلاستيك القديم. لكن رجله كانت اتصلحت، ومطلية بألوان جميلة. قالت: —أنا خليته أحسن. ضحكت واحتضنتها. —عارفة يا ماما؟ أنا مبقتش زعلانة من الهدية. —ليه؟ قالت: —لأنها علمتني حاجة. —إيه؟ —إن الحاجة اللي الناس شايفاها مكسورة... ممكن حد تاني يشوف فيها حاجة تستاهل تتصلح. بصيت لها وابتسمت. ثم نظرت إلى لافتة شركتي. وفهمت أخيرًا أن اللي حصل في ليلة رأس السنة لم يكن نهاية علاقتي بعائلتي فقط. كان بداية حياتي الحقيقية. والأهم... إن بنتي في اليوم ده لم تعد الطفلة التي تحمل هدية مكسورة وتبكي في زاوية الغرفة. كانت طفلة تعلمت أن قيمتها لا يحددها ثمن هدية... ولا رأي عائلة... ولا تفضيل أحد. أما أنا، فقد تعلمت أن أصعب قرار ممكن تاخده أحيانًا... هو أول قرار ينقذك. تمت حكايات محمد عبده