الجزء الثاني والاخير نكمل من لحظة اختفاء الإسورة، ونخلي الأحداث تتصاعد بهدوء لحد ما يبدأ حسن يكتشف إن الموضوع أكبر من مجرد اتهام. الجزء الثاني — إسورتي اختفت! قالتها نوال بصوت عالي، لدرجة إن كل الموجودين في السفرة سكتوا مرة واحدة. أحمد خرج من الصالة بسرعة. — إيه اللي حصل يا أمي؟ نوال كانت بتبص على إيدها وبتتنفس بسرعة. — الإسورة اللي كانت في إيدي من شوية... مش موجودة! سلمى قربت منها. — يمكن تكون وقعت منك. نوال لفت لها فجأة. — وقعت؟! وبعدين بصت ناحيتي. فضلت ساكتة ثواني. لكن نظرتها كانت كفاية. كانت بتتهمني من غير ما تقولها صراحة. يوسف كان واقف عند باب السفرة، وبص لي وبعدين لجدته. قال: — هي كانت في إيدك فعلًا يا تيتة؟ نوال ردت بسرعة: — أيوه. وبعدين قالت: — وأنا فاكرة كويس جدًا آخر مكان كنت واقفة فيه. سكتت. ثم أشارت ناحيتي. — هنا. أحمد اتوتر. — ماما، تقصدي إيه؟ قالت: — أنا مش باتهم حد. لكنها كانت تنظر إليّ مباشرة. — أنا بس بقول إن الإسورة اختفت في الوقت اللي كان فيه هو لوحده هنا. سلمى وقفت أمامي. — بابا ما لمسش حاجة. نوال ابتسمت ابتسامة باردة. — وأنا ما قلتش إنه لمس. ثم قالت: — بس الأفضل نفتش. الجملة دي خلت الدم يغلي في عروقي. قلت بهدوء: — فتشي. مددت لها شنطتي. — قدام الكل. نوال ترددت لحظة. ثم أخذت الشنطة. بدأت تفتحها. طلعت المنديل. علبة الأدوية. المفاتيح. الكراسة القديمة. ثم توقفت. إيدها دخلت في الجيب الداخلي. وفجأة... رفعت رأسها. وفي إيدها كانت الإسورة. ساد الصمت. أحمد شهق: — إيه ده؟ سلمى حطت إيدها على فمها. أما نوال... فقدمت الإسورة لأحمد. — أنا مش مصدقة. بصت لي. — أنا كنت أتمنى أكون غلطانة. قلت: — وأنا كمان كنت أتمنى إنك تكوني أذكى من كده. وشها اتغير. — يعني إيه؟ أشرت للإسورة. — دي اتحطت في شنطتي. قالت بسرعة: — إنت بتتهمني؟ — أنا بقول إن الإسورة ما كانتش موجودة في شنطتي لما دخلت هنا. أحمد بص لي. — ممكن نكون سألنا الأول قبل ما نحكم. لكن نوال قاطعته: — لأ يا أحمد. ثم قالت بنبرة متأثرة: — أنا عارفة إنك بتحب مراتك وعايز تحميها، لكن لازم تفكر بعقلك. ثم التفتت إلى يوسف. — وإنت كمان يا يوسف، متدخلش في الموضوع. يوسف ما ردش. كان بيبص للإسورة. ثم بص لشنطتي. وفجأة قال: — في حاجة غلط. الجميع بص له. قال: — الإسورة دي كان فيها تعليقة صغيرة. نوال تجمدت. يوسف كمل: — التعليقة كانت على شكل قلب. نوال بصت للإسورة. وكان القلب موجودًا. قال يوسف: — بس في حاجة تانية... قرب منها. — السلسلة دي مش زي اللي شفتها في إيدك النهارده. نوال خطفت الإسورة منه. — إنت بتشكك في جدتك؟ يوسف رد بهدوء: — لأ. وبص لي. — أنا بس بقول اللي شفته. في اللحظة دي، رن موبايلي. كان اتصال من أميرة، جارتي. رديت. — ألو؟ سمعت صوتها متوترًا. — يا عم حسن، افتح النوتة اللي كتبت فيها اللي حصل من كام يوم. — ليه؟ قالت: — افتحها. فتحت النوتة. قالت: — أنا افتكرت حاجة. — إيه؟ — الست اللي سألت عليك كانت لابسة عباية رمادي، وعلى كمها كان فيه خيط أزرق بارز. نظرت فورًا إلى نوال. كانت ترتدي عباية رمادية. وعلى طرف كمها... كانت هناك غرزة زرقاء صغيرة. سكتُّ. أميرة قالت: — عم حسن؟ إنت سامعني؟ — أيوه. قفلت المكالمة. نوال لاحظت نظرتي. — في إيه؟ قلت: — ولا حاجة. لكن يوسف كان قد رأى الخيط أيضًا. اقترب مني وهمس: — جدو... — نعم؟ — الخيط ده مش جديد. بصيت له. قال: — شفته قبل كده. — فين؟ — في أوضة جدتي. سكت لحظة. ثم قال: — جنب الكاميرات. رفعت رأسي بسرعة. — كاميرات إيه؟ يوسف أخرج موبايله. فتح صورة قديمة. كانت صورة التقطها داخل البيت. وفي خلفيتها ظهر جهاز صغير مثبت فوق رف. قال: — دي كاميرا كانت جدتي مخبياها. أحمد سمع كلامه. — كاميرا إيه؟ يوسف رد: — كاميرا مراقبة. نوال صرخت: — يوسف! لكن الصرخة جاءت متأخرة. أحمد أخذ الهاتف من ابنه. وبص للصورة. — ماما... إيه ده؟ نوال حاولت الاقتراب. — دي كاميرا قديمة. يوسف قال: — لأ. ثم فتح ملفًا على هاتفه. — وأنا سجلت مكانها من فترة. نظر لي. — بس المشكلة إن التسجيلات كلها اختفت. سألت: — كلها؟ هز رأسه. — تقريبًا. ثم أضاف: — ما عدا تسجيل واحد. تغير وجه نوال. — إنت بتخبي عني تسجيلات؟ يوسف لم يرد. فتح الملف. وضغط تشغيل. في البداية ظهر المطبخ. كان التسجيل صامتًا تقريبًا. ثم ظهرت نوال وهي تدخل المكان. كانت تحمل شيئًا صغيرًا في يدها. اقتربت من طاولة المطبخ. ثم وضعت الشيء داخل حقيبتي. أنا تجمدت. سلمى شهقت. أحمد اقترب من الشاشة. لكن التسجيل لم يكن واضحًا بما يكفي لإظهار الشيء. يوسف أوقف الفيديو. — الصورة مش واضحة. قلت: — بس الوقت واضح. ظهر التاريخ. والساعة. وكان التسجيل قبل دقائق قليلة من اختفاء الإسورة. نوال بدأت تتراجع. — الفيديو ده ممكن يكون متفبرك. يوسف رد: — أنا سجلته من كاميرا البيت. أحمد قال: — ماما، ليه حطيتي حاجة في شنطة حسن؟ نوال سكتت. ولأول مرة... ما لقتش إجابة. لكنني لم أكن مهتمًا بالإسورة وحدها. كنت أفكر في شيء آخر. الكراسة. خطاب المحامي. المشروع. والوصفات التي كانت نوال تتحدث عنها. قلت: — أنا عايز أسألك سؤال واحد. نوال رفعت عينيها. — ليه كنتِ بتفتشي في كراسة زينب؟ لم تجب. قلت: — وليه كنتِ بتتكلمي مع راجل عن مشروع هيستخدم وصفات عائلية اتطورت على مدار عشرات السنين؟ أحمد بص لأمه. — ماما؟ قالت: — ده مشروع تجاري. — ومين صاحب الوصفات؟ سكتت. ثم قالت: — وصفات قديمة. ضحكت لأول مرة. — قديمة؟ وأشرت إلى الكراسة. — الوصفات دي مكتوبة بإيد زوجتي. سلمى اقتربت. — وإنتِ كنتِ عايزة تستخدميها في المشروع؟ نوال ردت بسرعة: — المشروع مش بتاعي لوحدي. ثم قالت جملة جعلتني أفهم إن الموضوع أخطر مما توقعت: — المشروع ده كان هيغيّر حياة العيلة كلها. أحمد سأل: — إزاي؟ نوال نظرت إليه. ثم إلى سلمى. ثم إليّ. وقالت: — لو أبوك كان وافق يسلّم الكراسة من البداية، ماكنّاش وصلنا للي إحنا فيه دلوقتي. تجمدت مكاني. — من البداية؟ قالت: — أيوه. — مين طلب منك الكراسة؟ لم تجب. لكن قبل أن تتكلم... رن جرس الباب. دخل رجل في منتصف الخمسينيات. كان يرتدي بدلة داكنة ويحمل حقيبة جلدية. نظر إليّ مباشرة. ثم قال: — أستاذ حسن عبد الرحمن؟ قلت: — أيوه. قال: — أنا المحامي سامح فوزي. ثم نظر إلى نوال. وأضاف: — وجيت علشان أتكلم عن الاتفاق اللي بيننا. أحمد اتجه نحوه. — اتفاق إيه؟ المحامي سكت. ونظر إلى نوال. لكن نوال لم تستطع الكلام. فتح الرجل حقيبته. وأخرج ملفًا. وضعه فوق السفرة. ثم قال: — للأسف... بعد اللي حصل النهارده، أنا مضطر أقول الحقيقة. فتحت عيني. قال: — الوصفات اللي في كراسة زوجتك مش هي الحاجة الوحيدة اللي كانوا عايزين ياخدوها منك. وسحب ورقة من الملف. — في ورقة ملكية باسمك... ثم توقف. — وكانت الخطة إنك توقع عليها من غير ما تعرف حقيقتها. نظرت إلى سلمى. ثم إلى أحمد. أما نوال... فكانت واقفة في مكانها وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها. لكن المحامي لم يكن قد قال المفاجأة الأكبر بعد. لأنه أخرج صورة من الملف. صورة قديمة جدًا... صورة لي أنا وزينب أمام مطعمنا القديم. وخلفنا لافتة المطعم. وتحت الصورة كان هناك تاريخ. قبل وفاة زينب بثلاثة أشهر. قال المحامي: — الصورة دي هي السبب الحقيقي اللي خلّى نوال تبدأ تخاف منك. بصيت له. — ليه؟ رفع عينيه نحوي وقال: — لأن زوجتك الراحلة كانت قد وقعت قبل وفاتها على مستند... ثم نظر إلى نوال. — والمستند ده لو ظهر، هيهدم المشروع كله. ساد الصمت. وأنا لأول مرة... بدأت أفهم إن وفاة زينب نفسها ربما كانت مرتبطة بسر لم أعرفه طوال ست سنوات. والسر ده كان موجودًا في نفس الكراسة اللي حاولوا ياخدوها مني. يتبع... الجزء الثالث فضلت واقف قدام المحامي سامح وأنا مش قادر أستوعب كلامه. — زينب كانت ماضية على مستند قبل وفاتها؟ هز رأسه. — أيوه يا أستاذ حسن. بصيت للكراسة القديمة اللي كانت موجودة على السفرة. — ومستند إيه؟ سامح فتح الملف بهدوء، وطلع منه نسخة مطبوعة. — المستند ده بيتكلم عن ملكية وصفات المشروع وحقوق استخدامها تجاريًا. نوال قاطعته بعصبية: — سامح، كفاية! لكنه ما بصش لها حتى. قال: — لأ. خلاص الموضوع خرج من إيدي. أحمد بص لأمه باستغراب. — ماما، إنتِ كنتِ تعرفي الكلام ده؟ نوال سكتت. وسلمى قربت من أبوها. — بابا، إيه علاقة ماما زينب بالموضوع ده؟ المحامي رد: — قبل وفاتها بثلاثة شهور، مدام زينب اكتشفت إن فيه حد بيحاول يسجل مجموعة من وصفاتها باسم شركة جديدة. اتنفض قلبي. — شركة جديدة؟ — أيوه. — مين؟ سامح بص لنوال. وبعدين قال: — شركة مرتبطة بمشروع حمات بنتك. أحمد رجع خطوة للخلف. — ماما؟ نوال انفجرت: — أنا كنت بحاول أحافظ على مستقبل العيلة! رديت بهدوء: — مستقبل العيلة ولا مستقبلك إنتِ؟ ما ردتش. سامح حط ورقة قدامي. — زينب رفضت توقّع تنازل عن أي حق في الوصفات. لمست الورقة بإيدي. كان توقيع زينب موجودًا. لكن التوقيع لم يكن تنازلًا. كان إقرارًا بأنها تحتفظ بكل حقوق الوصفات التي كتبتها وطورتها مع زوجها. بصيت للتوقيع طويلًا. كنت فاكر إن آخر حاجة تركتها لي زينب هي الكراسة والحلة الحديد. لكن طلع إنها تركت لي شيئًا أكبر. حماية لسنين تعبنا. قلت: — ليه ماعرفتش الكلام ده قبل كده؟ سامح تنهد. — لأن زينب طلبت مني ما أقولكش إلا لو حصلت محاولة لاستخدام الوصفات بدون إذنك. سكت. ثم قلت: — وإيه اللي حصل النهارده؟ أشار للإسورة. — النهارده حصلت محاولة تلفيق سرقة ليك. ثم أشار للملف. — وقبلها حصلت محاولة للوصول للكراسة. نوال صرخت: — أنا ما سرقتش حاجة! يوسف قال فجأة: — بس حطيتي الإسورة في شنطة جدو. نوال بصت له بغضب. — إنت ابني حفيدي ولا محامي ضده؟ يوسف رد: — أنا حفيدك. وسكت لحظة. — بس جدو مش حرامي. الكلمة دي خلت سلمى تبكي. وأحمد لأول مرة وقف في صفها. قال لأمه: — إنتِ كنتِ عايزة توقعّي أبو سلمى في مشكلة؟ نوال قالت: — كنت عايزة أخليه يخاف. — يخاف من إيه؟ — عشان يسلّم الكراسة. — ليه؟ هنا سكتت. سامح هو اللي رد: — لأن الكراسة تحتوي على وصفات غير منشورة، وبعضها مرتبط بمشروع تجاري كان من المفترض الإعلان عنه الأسبوع المقبل. بصيت له. — يعني كانوا عايزين يسرقوا شغل زينب؟ قال: — بشكل قانوني، الأمر أعقد من كلمة سرقة. لكن لو ثبت استخدام الوصفات بدون موافقة أصحاب الحقوق، فالموضوع ممكن يتحول لق\ضية كبيرة. نوال قعدت على الكرسي. لأول مرة شكلها كان مختلف. مش المرأة المسيطرة اللي دخلت عليّ في البداية. كانت مرتبكة. لكن كان لسه عندي سؤال. بصيت للمحامي. — قلت إن زينب اكتشفت الموضوع قبل وفاتها بثلاثة شهور. — أيوه. — مين بلغها؟ سامح سكت. ثم أخرج ورقة صغيرة. — شخص مجهول أرسل لها رسالة. قرأت الورقة. كان مكتوبًا فيها: "ما تثقيش في الشخص اللي بيقول إنه بيحمي عيلتك." تجمدت. سألت: — ومين الشخص ده؟ سامح قال: — زينب كانت بتحاول تعرف. — وصلت له؟ — أيوه. — مين؟ قبل أن يجيب... سمعنا صوت ارتطام قوي. نوال وقعت الكوباية من إيدها. قالت بصوت منخفض: — زينب كانت عارفة... بصيت لها. — عارفة إيه؟ رفعت عينيها. — كانت عارفة إني أنا اللي قابلت الشخص ده. سلمى شهقت. — ماما! أحمد وقف مكانه. — قابلتي مين؟ نوال بدأت تبكي. — ماكنتش عايزة أأذيها. قلت: — إنتِ قابلتي مين؟ ردت: — قابلت واحد كان عايز يشتري الوصفات. — وإنتِ وافقتي؟ — في البداية... أيوه. الجو كله اتغير. سألتها: — وزينب عرفت؟ هزت رأسها. — عرفت. — وحصل إيه بعدها؟ نوال مسحت دموعها. — زينب هددت إنها هتبلغك بكل حاجة. حسيت ببرودة في جسمي. — وبعدها؟ نوال سكتت. سامح تدخل: — هنا لازم نكون دقيقين. مفيش دليل عندي يثبت إن وفاة زينب كانت مرتبطة بالموضوع. بصيت له. — يعني إنت مش بتقول إنها اتقتلت؟ — لأ. — ولا عندك دليل إن حد أذاها؟ — لأ. — يبقى ماينفعش نتهم حد. سامح هز رأسه. — بالضبط. سكت الجميع. لكن السؤال ظل معلقًا في رأسي: ليه نوال كانت مرعوبة من ظهور المستند؟ وفجأة تذكرت شيئًا. الكراسة. قلت: — استنوا. فتحت الكراسة بسرعة. قلبت الصفحات واحدة وراء الثانية. لحد ما وصلت لآخر الصفحات. كانت هناك صفحة ممزقة. قلت: — في ورقة ناقصة. سامح اقترب. — متأكد؟ — أيوه. كنت أعرف الكراسة صفحة صفحة. زينب كانت بتكتب بخط واضح. لكن آخر صفحة كانت ممزقة من المنتصف. يوسف قال: — يمكن جدتي شالتها. نوال رفعت رأسها. — أنا ما لمستش الكراسة. بصيت لها. — متأكدة؟ قالت: — أيوه. ثم فجأة تذكرت اليوم الذي رأيتها فيه بجانب الكراسة. وتذكرت إنها كانت ماسكة الموبايل. لكنها لم تكن وحدها. كان هناك شيء آخر. خيط أزرق. قلت: — سامح، بص على الصفحة دي. قرب منها. كان طرف الورقة الممزقة عليه خيط أزرق صغير عالق في الحافة. نظر إليه. ثم بص إلى كم نوال. نفس اللون. نفس الخامة تقريبًا. نوال لاحظت نظراتنا. فأخفت يدها خلف ظهرها. لكن يوسف قال: — أنا عارف الخيط ده. سألته: — منين؟ قال: — من شنطة جدتي القديمة. نوال صرخت: — يوسف، اسكت! لكن يوسف لم يسكت. قال: — كان فيها نفس القماش الأزرق. سامح رفع يده. — محدش يلمس أي حاجة. ثم قال: — من اللحظة دي، كل حاجة لازم تتوثق. بصيت إلى الإسورة. ثم إلى الكراسة. ثم إلى الصفحة الممزقة. وفجأة أدركت أن الإسورة لم تكن الهدف. كانت مجرد وسيلة. كانوا يريدون أن يجعلوني أبدو كرجل سرق من بيته. وبعدها، ربما يستخدمون الاتهام للضغط عليّ حتى أتنازل عن الكراسة. لكن السؤال الأصعب ظل موجودًا: مين اللي أخذ الصفحة؟ وبينما كنا واقفين، رن هاتف نوال. نظرت للشاشة. وتغير وجهها فورًا. قالت: — أنا لازم أرد. سامح مد إيده. — لأ. لكن نوال كانت أسرع. ردت. لم تقل شيئًا. فقط استمعت. ثم سقط الهاتف من يدها. قلت: — مين كان بيتصل؟ لم تجب. أحمد التقط الهاتف. وبص للشاشة. ثم قال: — الرقم مش مسجل. سامح أخذ الهاتف. فتح سجل المكالمة. ثم نظر إلينا. — المكالمة دي جايه من رقم كان متصل بنوال قبل وفاة زينب بأسبوع. أنا بصيت لنوال. — مين صاحب الرقم؟ نوال بدأت ترتجف. وقالت جملة واحدة: — الشخص اللي بعته زينب زمان... ثم سكتت. — هو نفسه اللي رجع النهارده. وساعتها... رن هاتفي أنا. رقم مجهول. رديت. وجاءني صوت رجل هادئ: — لو عايز تعرف مين أخذ الصفحة الأخيرة من كراسة مراتك... سكت لحظة. ثم قال: — دور على الصندوق الأزرق اللي كانت زينب مخبياه قبل ما تموت. وقبل ما ألحق أسأله: انقطع الخط. بصيت لسلمى. وبعدين للمحامي. ثم لنوال. لكن نوال كانت بتبص لي بطريقة واحدة فقط... طريقة شخص يعرف بالضبط أين يوجد الصندوق. يتبع... الجزء الرابع — قبل الأخير فضلت واقف ماسك الموبايل، وبصوت الرجل الغريب لسه بيرن في وداني: — لو عايز تعرف مين أخذ الصفحة الأخيرة من كراسة مراتك... دور على الصندوق الأزرق. رفعت عيني لنوال. هي كانت بتحاول تبان ثابتة، لكن إيديها كانت بتترعش. قلت لها: — إنتِ عارفة الصندوق فين. قالت بسرعة: — ماعرفش أي حاجة. رد يوسف من وراها: — لأ، إنتِ عارفة. بصينا له كلنا. قال: — أنا شفتك مرة بتدخلي أوضة جدو القديمة وبتدوري في صندوق أزرق. نوال وشها اصفر. سلمى قربت منها. — ماما... إنتِ دخلتي بيت بابا من غير إذنه؟ نوال ما ردتش. المحامي سامح قال بهدوء: — لازم نعرف مكان الصندوق قبل ما أي حد يخرج من البيت. فتشت في ذاكرتي. وفجأة افتكرت. بعد وفاة زينب، كنت بحط حاجاتها في المخزن القديم الموجود خلف المطعم. كان فيه صندوق معدني أزرق صغير. لكنني لم أفتحه منذ سنوات. قلت: — الصندوق في المخزن القديم. يوسف قال: — أنا أروح معاك. رديت: — لأ. خليك هنا. لكن سلمى قالت: — وأنا هاجي معاك. خرجنا أنا وسلمى ويوسف والمحامي. وبعد حوالي نصف ساعة وصلنا للمخزن. فتحت الباب. رائحة المكان رجعتني سنين للوراء. أدوات المطعم القديمة. اللافتة الخشبية. مقلاة زينب. وحتى الكرسي اللي كانت تقعد عليه كل صباح. يوسف بدأ يدور بعينيه. — الصندوق فين؟ مشيت ناحية الرف الأخير. رفعت كرتونة قديمة. وهناك... كان الصندوق. أزرق. صغير. ومغبر. مسحته بيدي. كان عليه قفل بسيط. قلت: — زينب كانت بتحبه. فتحت القفل. في البداية ظهر دفتر صغير. وبعض الصور. ورسائل قديمة. لكن تحت كل ده... كان فيه ظرف بني. فتحته. ولقيت الورقة المفقودة من كراسة زينب. إيدي بدأت تترعش. قالت سلمى: — بابا، اقرأ. كانت الورقة مكتوبة بخط زينب. بدأت أقرأ. «حسن... لو إنت بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا ماقدرتش أقول لك الحقيقة بنفسي. من فترة اكتشفت إن فيه شخص بيحاول ياخد وصفاتي وينسبها لنفسه. لكن المشكلة مش في الوصفات وحدها. المشكلة إن الشخص ده قريب من عيلتنا.» وقفت. سلمى حطت إيدها على فمها. كملت القراءة: «أنا مش عايزة أتهم حد من غير دليل. علشان كده احتفظت بكل المستندات. ولو حصل لي أي شيء، ما تثقش في أي حد يقول لك إنه بيحميك أو بيحمي العيلة.» توقفت مرة أخرى. كان فيه سطر أخير. قرأته: «وأهم شخص لازم تحذر منه هو...» لكن الجزء الأخير كان مقطوعًا. الصمت سيطر على المكان. قال سامح: — الورقة دي ممكن تكون مهمة جدًا. قلت: — بس الاسم مش موجود. يوسف كان بيفحص الظرف. وفجأة قال: — استنوا. أخرج شيئًا صغيرًا من داخل الظرف. كانت قطعة قماش زرقاء. نفس لون الخيط. لكن عليها علامة مطرزة. حرفان: ن. ش. بصيت لسلمى. — نوال الشامي. لكن سامح قال: — ما نستعجلش. أخذ قطعة القماش بحذر. — ده دليل إنها كانت مرتبطة بالموضوع، لكنه مش دليل لوحده على كل حاجة. هزيت رأسي. كنت عايز الحقيقة، مش الانتقام. رجعنا البيت. لقينا أحمد واقف في الصالة. قال: — ماما مش موجودة. — راحت فين؟ — خرجت من حوالي عشر دقايق. سألت: — لوحدها؟ — أيوه. يوسف فتح موبايله. — أنا عارف راحت فين. — فين؟ فتح تطبيق تحديد موقع السيارة. — المخزن القديم. بصيت لسلمى. رجعنا نجري. لما وصلنا، كانت نوال واقفة عند الباب. وفي إيدها... الصندوق الأزرق. صرخت: — سيبيه! قالت: — حسن، اسمعني. — إنتِ عارفة مكانه منين؟ سكتت. — مين قال لك عليه؟ بدأت تبكي. — زينب. تجمدت. — إيه؟ قالت: — زينب هي اللي قالت لي مكانه. — إمتى؟ — قبل وفاتها بأيام. سلمى قالت: — وليه؟ نوال مسحت دموعها. — لأنها كانت عايزة تواجهني. — واجهتك في إيه؟ قالت: — قالت لي إنها عرفت كل حاجة. سألتها: — كل حاجة إيه؟ قالت: — إن الشخص اللي كان عايز الوصفات... كان شريكي. سامح قال: — شريكك في إيه؟ نوال نظرت للأرض. — في الشركة. ثم رفعت عينيها. — لكن أنا ماكنتش عارفة إنه هيحاول يستخدم الوصفات من غير إذن. قلت: — وإنتِ صدقته؟ — في البداية. — وبعدين؟ — لما زينب اكتشفت الموضوع، حاولت أوقفه. سألتها: — طب ليه حاولتي تاخدي الكراسة؟ انهارت. — لأنه هددني. سلمى شهقت. — هددك بإيه؟ قالت: — قال لو الوصفات ما وصلتش له، هيكشف أسرار مالية تخص الشركة... وهيحط كل المسؤولية عليّ. سامح قاطعها: — وهل عندك رسائل أو مستندات تثبت كلامك؟ نوال أخرجت هاتفها. — أيوه. فتحت مجلدًا مخفيًا. كانت فيه رسائل كثيرة. رسائل تهديد. طلبات. تحويلات مالية. وصور لمستندات. سامح بدأ يصورها. لكن فجأة لاحظ شيئًا. قال: — الرسائل دي من ست سنين. نوال هزت رأسها. — أيوه. قلت: — قبل وفاة زينب؟ — بعضها. ثم قالت: — وآخر رسالة وصلتني كانت قبل وفاتها بثلاثة أيام. قرأناها. كانت قصيرة: «لو ما خلصتيش الموضوع، هي اللي هتدفع الثمن.» ساد الصمت. قلت: — مين كتب الرسالة؟ نوال أشارت إلى الاسم. كان نفس الرقم المجهول. سامح قال: — لازم نتحقق من ملكية الرقم. وفجأة... وصلت رسالة جديدة على هاتف نوال. قرأتها. ثم رفعت عينيها نحوي. — هو عرف إننا لقينا الصندوق. قلت: — قال إيه؟ مدت الهاتف لي. الرسالة كانت: «كان المفروض ما تفتحيش الصندوق يا نوال.» وبعدها مباشرة وصلت رسالة ثانية: «دلوقتي الدور على حسن.» في نفس اللحظة... انطفأت أنوار المخزن. يوسف صرخ. سمعنا صوت باب السيارة بيتفتح في الخارج. ثم صوت خطوات. خطوة... ثم خطوة ثانية... اقتربت من الباب. سامح قال بصوت منخفض: — محدش يتحرك. وفجأة ظهر ظل رجل خلف الزجاج. كان واقفًا أمام المخزن. ثم قال بصوت هادئ: — حسن... عرفت الصوت. كان نفس الصوت اللي اتصل بي قبل قليل. ثم قال: — عندك خمس دقايق علشان تسلمني الورقة... وإلا كل حاجة هتتغير. بصيت للورقة في إيدي. ثم للصندوق. ثم إلى عائلتي. لكن الرجل لم يكن يعرف شيئًا واحدًا... إن زينب كانت قد تركت نسخة ثانية من الحقيقة، ولم تكن داخل الصندوق أصلًا. يتبع... نكمل بالجزء الأخير، مع كشف الحقيقة كاملة وربط الخيط الأزرق بالإسورة والكراسة. الجزء الخامس والأخير فضلنا واقفين في ضلمة المخزن. صوت الرجل من وراء الباب كان هادي بشكل مخيف: — عندك خمس دقايق يا حسن... سلّمني الورقة، وكل واحد يرجع بيته. سامح قرب مني وهمس: — ما تفتحش الباب. بصيت لسلمى ويوسف. كانوا واقفين جنب بعض. ثم قلت: — هو فاكر إن الورقة معانا. سامح رد: — وهي فعلًا معانا. ابتسمت. — مش الورقة اللي هو عايزها. سلمى فهمت قصدي. أشرت لها بهدوء إلى هاتفها. كانت قد سجلت كل شيء من أول لحظة دخلنا فيها المخزن. أما يوسف... فكان قد فعل شيئًا آخر. اتصل بالشرطة. بعد ثوانٍ، سمعنا الرجل من الخارج يقول: — الوقت بيخلص. ثم ضرب الباب بيده. يوسف همس: — الشرطة في الطريق. سامح قال: — ممتاز. لكن فجأة سمعنا صوت سيارة تبتعد بسرعة. فتحت الباب بحذر. السيارة اختفت. لكن على الأرض كان هناك ظرف أبيض. التقطه سامح. فتحه. وجدنا بداخله صورة قديمة. صورة لي أنا وزينب أمام المطعم. وعلى ظهر الصورة جملة واحدة: «اسأل زوجتك عن اللي حصل في آخر ليلة قبل وفاتها.» إيدي تجمدت. آخر ليلة. أنا كنت فاكر كل تفاصيلها. زينب كانت تعبانة. قعدنا سوا في المطبخ. عملت لنا شاي. وبعدين قالت لي: — حسن، لو حصل لي حاجة، ما تبيعش المطعم. ضحكت وقتها. وقلت لها: — إنتِ ناوية تموتي يعني؟ ضحكت وقالت: — لأ... بس الواحد ما يضمنش بكرة. لكن الآن... كلامها رجع لي بطريقة مختلفة. قلت: — لازم نرجع البيت. --- لما وصلنا، كانت الشرطة قد وصلت بعد بلاغ يوسف. شرحنا لهم كل شيء. الكاميرا. الإسورة. الرسائل. الصندوق. والرجل المجهول. ثم جاءت المفاجأة. الشرطة فحصت تسجيلات كاميرا الشارع. السيارة التي كانت أمام المخزن... كانت مسجلة باسم شركة. والشركة كانت مرتبطة بالمشروع الذي تحدثت عنه نوال. لكن المفاجأة الأكبر أن صاحب الشركة لم يكن رجلًا غريبًا. كان أحمد نفسه. بصيت له. — أحمد؟ وجهه شحب. — أنا... أنا كنت شريكًا في الشركة من البداية. سلمى بكت. — وإنت كنت عارف؟ قال: — عرفت بعد الجواز بسنين. نوال صرخت: — أحمد! لكنه أكمل: — لكن ماكنتش عارف إنهم هيستخدموا وصفات زينب من غير إذن. قلت: — طب ليه ما قلتليش؟ خفض رأسه. — خفت. سألته: — خفت من مين؟ قال: — من نوال. ثم نظر لأمه. — ومن الشخص اللي كانت بتتعامل معاه. سامح قال: — يبقى لازم نعرف اسم الشخص. أحمد سكت. ثم قال: — اسمه فؤاد الكيلاني. نوال غطت وجهها. قالت: — هو اللي بدأ كل حاجة. لكن سامح هز رأسه. — مش كل حاجة. ثم فتح الملف. — لأن فيه تحويلات مالية باسم شخص آخر. وضع ورقة أمامنا. وكان الاسم... نوال الشامي. قلت: — يعني إنتِ كنتِ شريكة فعلًا. قالت وهي تبكي: — في البداية فقط. — والباقي؟ — لما عرفت إن فؤاد عايز ياخد حق زينب، حاولت أخرج. — لكنك ما خرجتيش. هزت رأسها. — لأ. قلت: — وبعدين؟ قالت: — زينب عرفت. سألتها: — وهي كانت هتعمل إيه؟ — كانت هتبلغك. سكتُّ. ثم قلت: — وعشان كده حاولتي تخوفيها؟ نوال بكت. — أيوه. سلمى صرخت: — ماما! قالت نوال بسرعة: — بس أنا ما أذيتهاش! ساد الصمت. سامح قال: — محدش قال إنك أذيتها. ثم أضاف: — لكن لازم التحقيق يحدد إيه اللي حصل في آخر أيام حياتها. --- في اليوم التالي، فتحت كراسة زينب مرة أخرى. كنت أقلب الصفحات ببطء. وفجأة لاحظت شيئًا. بين صفحتين كان هناك ظرف صغير ملتصق. فتحت الظرف. كان بداخله فلاش ميموري صغير. وتحته ورقة. مكتوب عليها: «يا حسن... لو وصلت للحظة دي، يبقى لازم تسمع التسجيل.» وصلت الفلاش بالكمبيوتر. ظهر ملف صوتي واحد. ضغطت تشغيل. سمعت صوت زينب. صوتها الذي لم أسمعه منذ ست سنوات. قالت: — حسن... لو إنت سامع التسجيل ده، يبقى حصل اللي كنت خايفة منه. أغمضت عيني. كملت: — أنا اكتشفت إن نوال كانت بتتعامل مع شخص عايز يستولي على وصفاتنا. ثم سكتت لحظة. — لكن نوال مش هي الشخص الأخطر. فتحت عيني. بصيت لسامح. التسجيل استمر: — الشخص الأخطر موجود داخل المشروع نفسه، وشخص قريب من العيلة ساعده. ثم قالت: — أنا جمعت المستندات، لكني أخفيتها في مكان مش هيعرفوا يوصلوا له. ثم سمعت صوتها يضحك بخفة. — حسن، لو عايز تعرف المكان... افتكر أول مطعم فتحناه سوا. التسجيل انتهى. بصيت إلى سلمى. قلت: — أول مطعم. فهمت فورًا. — المطعم القديم! رجعنا للمخزن. فتشنا المكان مرة أخرى. لكن هذه المرة، بحثنا عن شيء واحد. أول حاجة اشتريناها للمطعم. وفجأة تذكرت. ساعة الحائط القديمة. نزعتها من مكانها. وجدت خلفها تجويفًا صغيرًا. داخله ملف. فتحت الملف. كانت فيه عقود أصلية. تحويلات مالية. مراسلات. وأسماء كل الأشخاص المشاركين. وكان هناك اسم واحد لم نتوقعه. فؤاد الكيلاني. لكن بجانبه اسم آخر. أحمد الشامي. أحمد انهار. — أنا غلطت. سلمى بكت. — بابا كان شريك؟ قال: — أيوه... لكني انسحبت قبل ما أعرف إنهم هيستخدموا وصفات زينب. سامح رد: — الانسحاب وحده لا يلغي مسؤولية أي تصرف سابق، لكن المستندات دي لازم تتراجع قانونيًا بالكامل. بصيت لأحمد. — كنت ممكن تقول الحقيقة من زمان. قال: — كنت جبان. ثم نظر إلى سلمى. — وفضلت ساكت علشان ما أخسرش أمي... ولا الشركة. سلمى ردت: — وخسرتنا إحنا. سكت أحمد. --- بعد أسابيع من التحقيقات، بدأت الصورة الكاملة تظهر. نوال كانت بالفعل دخلت في شراكة تجارية مع فؤاد. وأحمد كان قد وقع على مستندات في بداية المشروع. لكن زينب اكتشفت الأمر قبل وفاتها، ورفضت تمامًا التنازل عن حقوق وصفاتها. أما الإسورة... فثبت من تسجيل الكاميرا أن نوال وضعتها في حقيبتي بنفسها. والهدف كان اتهامي بالسرقة، ثم استخدام الاتهام للضغط عليّ وتسليمي الكراسة. أما الخيط الأزرق؟ فكان جزءًا من طرف حقيبة نوال، وقد علق ببطانة حقيبتي عندما وضعت الإسورة بداخلها. وده هو السبب اللي خلاني أشك من البداية. لكن بقي السؤال الأصعب: هل كانت وفاة زينب بسبب كل ده؟ التحقيق الرسمي لم يثبت ذلك. وبعد مراجعة التقارير الطبية القديمة، لم يظهر دليل يثبت أن وفاتها كانت جري\مة. وده كان أهم شيء بالنسبة لي. لأنني لم أكن أريد الانتقام. كنت أريد الحقيقة. --- بعد مرور عدة أشهر، جلست في مطعم صغير جديد. على الحائط صورة كبيرة لزينب. وتحتها كتبت: «سفرة زينب... وصفات من القلب، وذكريات لا تموت.» سلمى كانت بتدير المكان معي. ويوسف كان يساعدنا في الإجازات. أما أحمد... فقد ترك الشركة وبدأ يتحمل مسؤولية قراراته قانونيًا وعائليًا. ونوال؟ ابتعدت عن العيلة فترة طويلة. وفي يوم جاءت إليّ. وقفت أمامي وقالت: — أنا آسفة. نظرت إليها. ثم قلت: — الاعتذار مش هيغير اللي حصل. هزت رأسها. — عارفة. قلت: — لكن ممكن يغير اللي هيحصل بعد كده. بكت. ثم قالت: — سامحني يا حسن. لم أقل إن كل شيء أصبح بخير. لكنني قلت: — ربنا يسامحنا كلنا. ومشت. --- في آخر اليوم، دخلت المطبخ. فتحت كراسة زينب. لمست أول صفحة. وتذكرت كل السنوات التي قضيناها معًا. ثم ابتسمت. لأنني فهمت أخيرًا شيئًا مهمًا: أحيانًا الإنسان يفتكر إن أقوى رد على الظلم هو الصراخ أو الانتقام. لكن الحقيقة... إنك تحافظ على حقك، وتكشف الحقيقة، وما تسمحش لحد يحولك لشخص مش شبهك... ده في حد ذاته انتصار. وأنا لم أخسر عيلتي. أنا فقط عرفت أخيرًا... مين كان فعلًا من عيلتي، ومين كان مجرد واقف على السفرة مستني مني أمشي. تمت