القصة كاملة

من غير ما يفكر في الأصول والعادات، وبشكل تلقائي، مسك إيديها الاتنين وضمهم بين إيديه الواسعة وقال بنبرة مليانة خوف حقيقي ورعب عليها: “أنتي زينة؟ عملك حاجة؟! واصل مش هسمح لحد يمس شعرة منك طول ما فيا نفس!
”. حور بصت في عيونه ولمست فيهم صدق وخوف حقيقي، دموعها نزلت وقالت بصوت يادوب مسموع: “أنا كويسة.. متخافش”. لما رجعوا الدوار بالليل، مهران مكنش على بعضه، والحاج إسماعيل جابه على جنب وقاله بحكمة: “الخوف اللي في عينك ده مش خوف على أمانة يا ولدي.
. ده خوف على حاجة تانية عاد، مهران، البنت دي دخلت قلبك، ومبقاش ينفع تقسي على نفسك ولا عليها واصل”. مهران سكت ومقدرش ينكر، كلام أبوه كان الملاذ اللي هرب ليه من عقدة الماضي. خرج الجنينة ولقى حور واقفة بتبص للسما، قرب منها بخطوات بطيئة، ولما لفت وبصتله، قالها بصوت رجولي دافي: “حور.
. أنا عمري ما كرهتك، أنا كنت خايف.. خايف من صنفكم، بس أنتي جيتي وكسرتي كل الحصون دي. أنا مش عايزك تمشي من الصعيد واصل.. لا بعد ما المستوصف يخلص ولا بعده”. حور ابتسمت والدموع في عينيها، وقالتله بدلع ورقة: “يعني خلاص مبقتش بنت بندر وعمية وبتتطوح في السوق؟
”. مهران ضحك من قلبه وقال: “أنتي بقيتي ست البنات، وكبير الصعيد كله طوع أمرك يا دكتورة”. مرت الشهور، والمستوصف مابقاش مجرد مكان لعلاج العيانين، ده بقى الشاهد على قصة حب كبرت على نار هادية وسط زرع الصعيد ونيله. مهران اتغير تماماً؛
الجفاء والقساوة اللي كانوا في عيونه اتمسحوا، وبقى كل ما يعدي من جنب المستوصف يلمح طيف حور، تترسم على وشه ابتسامة مفيش مخلوق في البلد كان يصدق إنها ممكن تطلع من كبير الهوارية. وفي يوم، البلد كلها اتجمعت في ساحة الدوار، بس المرة دي مش عشان مشكلة ولا تار، الساحة كانت متزينة بالأنوار والزغاريد مالية المكان، والطبول الصعيدي بتدوي في القلوب قبل الودان.
مهران كان واقف في وسط الرجالة، لابس جلبابه الأبيض الفخم والشال الكشمير، وعيونه بتلمع بفرحة مكنش قادر يدرايها وهو مستني اللحظة اللي تظهر فيها “ست البنات”. الباب اتفتح، وخرجت حور وهي لابسة فستانها الأبيض اللامع، ومكسوفة والضحكة منورة وشها، وجنبها الحاج إسماعيل اللي كان بيبص لها بفخر كأنها بنته اللي مخلفهاش.


