حمايا

هل هما بيستغلوه عشان يطلع يوقف قدام بابي في الضلمة والكاميرا تصوره، فيبان إن فيه راجل طالع عندي بعد ما النور بيقطع؟!
الفكرة لما خطرت في بالي خلت الدم ينسحب من وشي. لو هو ده السيناريو.. يبقى الكاميرا بتسجل وائل وهو بيطلع، وحمايا بيفصل النور عشان يحبك التمثيلية ويقول إننا بنستغل الضلمة، والتسجيل ده لو راح لطارق، حتى لو أنا مظهرتش فيه، مجرد وجود راجل غريب واقف قدام بابي في وقت متأخر والنور مقطوع كفيل إنه يدمرني ويدبحني من غير ما يسمع مني كلمة دفاع واحدة!
بصيت على عيالي يونس وكرمة اللي كانوا بيلعبوا بمكعبات على سجادة الصالة في براءة تامة، مش فاهمين المصيبة اللي بتتدبر لأمهم. قولت لنفسي بصوت مسموع على جثتي.. والله على جثتي إنكم تلمسوا شعرة من سمعتي أو تاخدوا عيالي مني!
خطرت في بالي فكرة، مجنونة ومحفوفة بالمخاطر، بس كانت طريقي الوحيد للنجاة. العمارة فيها راوتر نت واحد بتاع حمايا، وهو اللي موزع منه لشيرين وليا فوق بوصلة واخدينها منه. الكاميرا دي أكيد متوصلة على الراوتر ده أو بتسجل محلي. لكن الأهم من الكاميرا هو الإثبات الحقيقي للي بيحصل على السلم وقت قطع النور.
الموبايل بتاعي شحنته لحد ١٠٠٪. وعندي موبايل قديم بتاع طارق كان سايبه هنا، كاميرته كويسة وبطاريته متغيرة جديدة. شحنته هو كمان للآخر. ودخلت المطبخ، جبت شريط لحام أسود عريض. روحت على باب الشقة، من جوة، وبصيت من العين السحرية.. العين السحرية كانت وسخة ومغبشة. فكيتها براحة، مسحتها ونضفتها وركبتها تاني بحيث تكون الرؤية واضحة كالشمس. ثبتت الموبايل القديم على حامل صغير، وحطيته على كرسي قصاد الباب بالظبط، وظبطت الكاميرا بتاعته بحيث تكون عدستها ملتصقة بالعين السحرية من جوة، ومغطية بالمشمع واللزق الأسود عشان ميبانش من برة أي وميض أو شاشة منورة. الموبايل ده هيسجل فيديو صوت وصورة لكل ملّي بيحصل قدام الباب برة على بسطة السلم، من غير ما حد يحس بيه.
بس ده مش كفاية.. الموبايل ده هيسجل في الضلمة إزاي
لو
حمايا نزل المفتاح؟! العين السحرية في الضلمة الكحل مش هتشوف حاجة! قعدت ألف في الشقة زي الفرخة المذبوحة، أعمل إيه؟ أعمل إيه عشان أكسر الضلمة دي من غير ما يحسوا؟!
وفجأة بصيت على كشاف الطوارئ الصغير اللي كنت شرياه ليونس بيلعب بيه، كشاف فيه سينسور حركة بيشتغل ببطاريات قلم! كنت معلقاه في الطرقة بين الأوض عشان لو حد قام بالليل الحمام ينور لوحده. الكشاف ده بيشتغل على البطاريات، ملوش دعوة بكهربا حمايا ولا مفاتيحه! لو علقته برة، فوق عتبة الباب مباشرة، أي حركة هتحصل قدام الباب الكشاف هينور تلقائي وينور البسطة كلها، والكاميرا اللي ورا العين السحرية هتسجل كل تفصيلة بأعلى جودة! بس لو علقته برة، شيرين أو حمايا هيشوفوه وهيشيلوه قبل ما الخطة تنجح.
لازم أتصرف بذكاء.. طلعت برة الشقة وبصيت فوق الباب. كان فيه ماسورة غاز طبيعي معدية بالعرض فوق حلوق الأبواب في العمارة كلها، وكان عليها طبقة تراب قديمة جداً ووراها مساحة ضيقة مدارية عن العين. جبت سلم صغير، وبأقصى درجات الهدوء، ثبتت الكشاف الصغير باللزق ورا ماسورة الغاز، بحيث يكون مستخبي تماماً، والعدسة بتاعته وزاوية السنسور باصة لتحت على عتبة الباب، ومتغطية بحتة كرتونة صغيرة مش مبينة غير فتحة قد عقلة الصباع. لو حد قرب من الباب على مسافة متر، الكشاف هيضرب لتحت زي السبوت، ويفضح المكان!
نزلت وقفلت الباب، وبدأت أستعد. الساعة دخلت على سبعة المغرب. الأذان أذن، ودخلت صليت ودعيت بدموع قهر يارب إنت عالم بنيتي، وعالم إني محفظتش غير غيبة جوزي وشرفه، انصرني عليهم واكشف كيدهم في نحورهم.
الساعة تمانية ونص. سمعت صوت رجلين حمايا طالع من الجامع.. صوته وهو بيكح في المدخل تحت، وبعدين صوت رزع باب شقته في الدور الأرضي. عشر دقايق بالظبط مرت.. وفجأة، تك! الشقة اتطفت بالكامل. المروحة هديت سرعتها لحد ما وقفت، التلاجة سكتت، والضلمة طبقت على صدري من تاني.
لكن المرة دي، مكنتش خايفة ولا منهارة.. المرة دي كنت زي النمرة اللي مستنية فريستها تقع في الشرك. دخلت الأوضة، حطيت قطن في ودان يونس وكرمة واديتهم شوية مهدئ بسيط للمغص عشان يناموا وميطلعوش صوت يقلق الخطة. وقفت ورا باب الشقة في الصالة.. كنت كابمة نفسي، وعيني باصة على الشاشة بتاعة الموبايل القديم اللي متثبت قصاد العين السحرية.
مرت نص ساعة.. مفيش غير صوت دقات قلبي اللي حاسة إنها مسموعة في العمارة كلها. الساعة تسعة وربع. صوت طقطقة خفيفة على السلم الخشب اللي فوقيا.. السطوح! الصوت كان بيقرب.. مش خطوات قطط، دي خطوات بني آدم لابس شبشب بلاستيك ونازل على طراطيف صوابعه عشان الخشب ميزيقش!
حبست نفسي تماماً، وإيديا مسكت مقبض الباب من جوة، السكينة كانت في جيبي التاني. الخطوات نزلت ووقفت على بسطة الدور التالت.. قدام بابي بالظبط! وفجأة.. الكشاف السري اللي فوق ماسورة الغاز لقط الحركة ونور!
الضوء الأبيض ضرب على البسطة، وشاشة الموبايل عندي نورت بصورة واضحة لدرجة الرعب! اللي كان واقف قدام الباب مش وائل أخو شيرين.. اللي كان واقف، ولابس جلابية خفيفة وماسك في إيده مفتاح غريب وبيحاول يحطه في كالون شقتي.. كان حمايا نفسه، الحاج فضل! وبوشه التاني اللي عمري ما شوفته، وراه مباشرة كانت واقفة شيرين وماسكة تليفونها بتصور ظهره وهو بيفتح الباب، عشان التسجيل يكمل ويبان إن فيه راجل بيدخل الشقة!
بس الحاج فضل لما الكشاف نور فجأة في وشه اتفزع ورجع لورا، وبص لفوق عند ماسورة الغاز بصدمة كأن القيامة قامت.. وفي اللحظة دي بالظبط، وأنا شايفة وشه المرعوب في شاشة الموبايل، صوت رسالة صوتية جه على تليفوني الأساسي من رقم غريب، فتحت الشات بإيد بترتعش، ولقيت رسالة مكتوبة من سطر واحد افتحي الباب يا نادين.. طارق واقف تحت في مدخل العمارة ومعاه البوليس!
السطر اللي ظهر على شاشة الموبايل كان عامل زي صاعقة كهربا نزلت في نافوخي.. طارق تحت؟ ومعاه البوليس؟!
إيديا اتجمدت على الشاشة لثواني، عقلي مكنش قادر يستوعب هو ده حلم ولا حقيقة ولا كمين جديد من كمائنهم. بس الصوت اللي طلع من السلم برة كسر جمودي في لحظة؛ حمايا لما الكشاف نور في وشه اتفزع زي الحرامي اللي اتقفش متلبس، إيده فلتت المفتاح الغريب اللي كان بيحاول يدخله في الكالون، ورن المفتاح على البلاط رنة حديد كشفت المستور، وشيرين شهقت بصوت مكتوم وهي بتشد حمايا من دراع جلابيته يا مصيبتي يا عمي! النور جه منين؟! الكشاف ده محطوط هنا من إمتى؟!
حمايا كان وشه أصفر زي الليمونة، عينه مبرقة وهو باصص لعدسة الكشاف الصغير اللي مداري ورا ماسورة الغاز، وبيتلفت يمين وشمال كأنه بيدور على عفريت. همس بصوت بيترعش من الغل والرعب انزلي.. انزلي شقتك بسرعة ومتقوليش ولا حرف! البت الفاجرة دي حاطة حاجة فوق الباب!
لكن قبل ما رجل حمايا تلحق تلمس أول درجة سلم نازلة، اتهزت العمارة كلها بصوت رزعة باب المدخل الحديد تحت، صوت رزعة عنيفة رنت في بير السلم كله، وبعدها على طول صوت خطوات تقيلة وسريعة بتجري على السلم من تحت لفوق، خطوات أكتر من شخص، وجزم ميري بتخبط في البلاط الرخام بعنف.
وصوت طارق.. صوته اللي حفظاه من سنين، طالع من تحت زاعق ومبحوح ومليان غضب وقهر اقف مكانك يا حج! والله العظيم خطوة تانية لتحت ما هتحصلك طيب!
شيرين صرخت صرخة رعب رنت في أرجاء العمارة كلها، وحمايا اتسمر مكانه على السلم بين الدور التاني والتالت، العكاز وقع من إيده ودحرج على الدرج، وشه كان مفزوع لدرجة إن شفايفه كانت بترتعش ومش طالع منها أي صوت.
أنا من ورا الباب، كنت شايفة كل ده لايف على شاشة الموبايل القديم اللي متثبت قصاد العين السحرية، الفيديو كان بيسجل كل همسة وكل نفس وكل حركة. صوابعي اللي كانت بتترعش اتحركت على ترباس الباب، شيلته براحة، وفتحت القفل، وشديت الباب على وسعه.
المشهد برة كان يفوق أي تخيل حمايا واقف على السلم، مائل بضهره على الحيطة وعينه زايفة، وشيرين لازقة في حلق باب شقتها في الدور التاني، ضامة جلابيتها عليها ومرعوبة، وعلى السلم الطالع كان طارق.. طارق بجسمه الشقيان، وشه شاحب ومرهق من عناء السفر والمطارات، لابس نفس هدوم السفر الشتوية الخفيفة ومعاه شنطة ضهره مرمية على كتف واحد، وجنبه أمين شرطة ببدلته الميري، وظابط مباحث شاب وراه اتنين عساكر شايلين أسلحتهم.
أول ما عيني جت في عين طارق، كل الوجع وكل الرعب وكل ليالي الضلمة اللي عشتها مع عيالي انفجروا في صرخة واحدة أهو يا طارق! أهو الراجل اللي بيقطع عني النور عشان ييجي يفتح بابي في أنصاص الليالي! أهي الشريفة العفيفة اللي كانت بتصور حماها في الضلمة عشان تلبسني مصيبة في شرفي!
طارق طلع السلم خطوتين بخطوتين، عنيه كانت حمرا دم كأنه منامش بقاله أسبوع. بص لأبوه، بص للمفتاح اللي مرمي على الأرض قدام عتبة شقتي، وبص للتليفون اللي في إيد شيرين، وشه كان بيتحول من الذهول للغضب
الأعمى، إيده كانت بتترعش وهو بيشاور على المفتاح اللي على الأرض ده مفتاح إيه يا حج؟ ده مفتاح شقتي أنا ونادين؟ المفتاح اللي كنت سايب نسخته معاك أمانة عشان لو حصل طوارئ في غيابي؟! إنت بتعمل بيه إيه هنا في الضلمة دي وقدام باب مراتي بعد نص الليل؟!
حمايا اتلعثم، لسانه ثقل، وحاول يستجمع جبروته المصطنع، رفع راسه وقال

