حمايا

لمحة نيوز
مبيغلطش، وإن طاعته من طاعة ربنا، حتى لو داس على أي حد تاني.
كتبت رسالة طارق.. الحقني، أبوك وشيرين عاملين عليا مؤامرة وعايزين يخربوا بيتنا.. النور مقطوع عني بقاله أسبوعين بأمر من أبوك عشان شيرين بتشتكي من العيال، ودلوقتي بيهددني بحاجة مفيهاش ذرة شرف! صوابعي وقفت فوق زرار الإرسال. اترعبت.. لو بعت الرسالة دي وطارق اتصل بأبوه، حمايا هيقلب الترابيزة في ثانية، وهيقول له شفت مراتك بتتبلى عليا إزاي؟ وهيبعت له التسجيل أياً كان إيه هو، وطارق هناك على بعد آلاف الكيلومترات، الشك هيقتله والوسواس هيعمي عينه، وأنا هنا لوحدي، معنديش سند ولا أهل في القاهرة، أهلي كلهم في طنطا، وأمي ست مريضة سكر وقلب، لو سمعت كلمة زي دي ممكن تروح فيها.
مسحت الرسالة.. مسحتها ودموعي بتنزل على الشاشة.
قضيت الليلة دي أطول ليلة في عمري. كنت قاعدة على كرسي جنب الباب، ماسكة سكينة المطبخ الصغيرة في إيدي اليمين، والموبايل في إيدي الشمال. كل ما حركة الهوا تحرك ستارة، أو أسمع طقة في خشب الباب، قلبي يقع في رجلي. الحر كان بيخنق، بس الرعب كان مخليني متلجة، أسناني بتخبط في بعض.
مع أذان الفجر، سمعت صوت تك من تحت.. الكهربا رجعت فجأة! المروحة لفت، والتلاجة اشتغلت بصوتها المألوف، والماتور اشتغل وسمعت صوت المية وهي بتجري في المواسير. حمايا رجع الكهربا مع خروجه لصلاة الفجر في الجامع، عشان لما الناس تصحى في العمارة ميبانش إن في حاجة غير طبيعية.
جريت على المطبخ مليت الجرادل والحلل وكل إزازة فاضية، وشطفت كرمة وغيرت ليونس، ودخلت نمت جنبهم من التعب والانهيار العصبي، صحيت الساعة اتناشر الضهر على رنة التليفون.
كان طارق. أول ما شوفت اسمه، قلبي دق بعنف. بلعت ريقي وحاولت أظبط صوتي عشان ميبانش إني كنت بعيط ألو.. صباح الخير يا طارق. جه صوته من الناحية التانية، بس مكنش دافي زي العادة، كان تقيل وناشف صباح النور يا نادين.. إنتي كويسة؟ الحمد لله يا حبيبي، إنت عامل إيه؟ شغلك تمام؟ سكت ثواني.. ثواني مرت عليا زي سنين، وبعدين قال أنا كلمت الحج الصبح بعد الفجر عشان أطمن عليه.. لقيته صوته تعبان ومضايق. ريقي نشف، وقولت بحذر ماله؟ خير فيه حاجة؟ طارق اتنهد تنهيدة طويلة وقال بيقولي إنه مبقاش قادر على وجع الدماغ، وإن العيال تحت بيزنوا ويصرخوا طول الليل ومطيرين النوم من عينه، وإنك مش عارفة تسيطري عليهم.. حتى شيرين بتقوله إنها بتصحى مفزوعة من خبط الماتور ورزع البيبان فوق.
الدم غلى في عروقي، بس تماسكت وقولت يا طارق، العيال صغيرين وإنت عارف كرمة بتسنن، وبعدين الماتور صوته عادي، شيرين هي اللي بتتحجج عشان هي بتكرهني من يوم ما اتجوزنا، وإنت عارف كده كويس! رد عليا بصوت علي فجأة وبان فيه العصبية نادين! متدخليش شيرين في جملة مفيدة، أنا بتكلم عن أبويا! الراجل راجل كبير وصحته متستحملش السهر والدوشة! إنتي ليه مبتعرفيش تلمي العيال وتنامي بيهم بدري زي بقية خلق الله؟ بتفضلي صاحية طول الليل ليه أصلاً؟ إنتي قاعدة لوحدك في الدور التالت، المفروض من المغرب تكوني قافلة بابك ونايمة عشان متحطيش نفسك في شبهات وتوجعي دماغ أبويا!
الكلمة وجعتني في مقتل.. متحطيش نفسك في شبهات؟! شبهات إيه يا طارق؟! هو أبوك قالك حاجة تانية؟! سألته وأنا حاسة إن الهوا بيتسحب مني. طارق تردد، وقال بنبرة مريبة مقالش حاجة واضحة.. بس قالي كلمه فهمت منها إن تصرفاتك مبقتش مريحة، وإن البيت له حرمته وسيرته اللي مبيرضاش حد يمسها. قالي خليها تفضل في شقتها ومتقعدش تتحرك كتير في العمارة، ولما سألته قصده إيه، قالي اسألها هي.. ها يا نادين؟ قصد أبويا إيه بالكلام ده؟ فيه حاجة إنتي مخبياها عليا؟
مسكت أعصابي بالعافية، الدموع كانت هتنزل بس كتمتها أبوك مبيقولش حاجة واضحة يا طارق عشان هو ملوش حق في أي حاجة بيعملها! وعشان تعرف ابن مين البار، أبوك بيقطع عني وعن ولادك الكهربا كل يوم من بعد العشا لحد الفجر! أيوة، بينزل المفتاح من اللوحة العمومية عشان يعاقبني ويحبسني في الضلمة أنا وولادك في عز الحر والمية مقطوعة! هو قالك دي في المكالمة ولا نسي يقولها؟!
الخط سكت تماماً. طارق فضل ساكت بتاع نص دقيقة، وبعدين ضحك ضحكة قصيرة من غير نفس، وقال إنتي اتجننتي يا نادين؟ أبويا؟ الحاج فضل اللي بيصلي الفرض بفرضه وعمره ما داس على طرف حد هيقطع عنك الكهربا بالنهار والليل؟! انتي بتألفي كلام عشان تطلعي نفسك مظلومة؟ هو قالي إن
العداد
عندك بيهبط عشان بتشغلي التكييف مع الماتور مع الغسالة، وهو نبهك كذا مرة وانتي بتعاندي!
أنا؟! والله العظيم كداب! شيرين هي اللي.. قاطعني بزعيق خرم ودني نادين! لحد هنا والزمي حدودك! كلمة زيادة عن أبويا والله ما هتشوفي خير! أنا جاي إجازة بعد أسبوعين عشان في أمور كده لازم تتظبط وتتحط في نصابها.. والحد الأسبوعين دول ما يعدوا، حسك عينك أسمع إنك عملتي مشكلة مع أبويا أو مع شيرين ومرتضى أخويا لما ينزل من الشغل، سامعة؟! اقعدي في شقتك ساكتة، وحسابنا لما أنزل. وقفل السكة في وشي.
قفلت الموبايل وإيديا بترتعش. طارق مش مصدقني، ومش هيصدقني. هو مسلم ودنه وعقله لأبوه تماماً. وحمايا بدأ يمهد للأمر.. حمايا مش بس عايز يعاقبني عشان الماتور أو عياط العيال، الموضوع أكبر من كده بكتير. حمايا وشيرين بيرتبوا لحاجة تطردني من البيت ده، أو تخليني مكسورة العين قدام طارق لما ينزل، بحيث لو حتى اشتكيت أو طلبت شقة برة، أكون أنا الطرف المدان اللي متقدرش تفتح بؤها.
بس ليه؟ إيه مصلحة شيرين؟ شيرين جوزها مرتضى، أخو طارق التاني، شغال في شركة مقاولات وبيسافر محافظات وييجي في الويك إند، ومعاهم بنتين، وشيرين طول عمرها عينها من شقة الدور التالت بتاعتي.. شقتي أكبر، وفيها بلكونة واسعة على الشارع الرئيسي، وشقتها هي على منور وشارع ضيق. كانت دايماً تقول في التجمعات والله حرام الشقة الكبيرة دي تبقى لنادين وعيالها وطارق مسافر أصلاً ومحدش بيستنفع بيها!
هل ممكن الغيرة والحقد يوصلوها للدرجة دي؟ إنها تتبلاني في شرفي بالاتفاق مع حمايا؟! وحكاية التسجيل دي إيه؟!
قعدت أفكر بعقل بارد، مسحت دموعي، وقولت لنفسي البكاء واللطم مش هينفعوكي يا نادين.. إنتي هنا لوحدك وفي معركة، لو استسلمتي هتدبحي إنتي وعيالك وسمعتك هتضيع.
لازم أعرف إيه اللي بيحصل بالظبط. قومت، لبست إسدالي، ونزلت على السلم بهدوء من غير ما أعمل أي صوت. كنت حريصة إن رجلي متخبطش في الدرجات. نزلت للدور الأرضي، عند لوحة العدادات اللي تحت بير السلم. فتحت علبة الصاج بتاعت العدادات براحة. بصيت على المفاتيح.. مفتاح شقتي كان مرفوع، مكتوب عليه بالقلم الفلوماستر شقة ٣. وجنبه مفتاح تاني مكتوب عليه ماتور ٣.
فجأة لاحظت حاجة غريبة جداً.. جنب لوحة الكهربا، في ركن بير السلم ورا شوية كراكيب وخشب قديم، كان فيه سلك أبيض رفيع طالع من فيشة صغيرة في الحيطة، وماشي ملاصق للوزرة بتاعة السلم، وطالع لفوق! نزلت على ركبي، وبدأت أتبع السلك بعيني وبصوابعي. السلك ماشي بدقة، متثبت بكلبسات بلاستيك صغيرة لونها نفس لون دهان الحيطة عشان ميبانش، طالع من مدخل البيت، معدي جنب شقة الحاج فضل في الأرضي، وطالع للدور التاني.. معدي من فوق باب شقة شيرين، ومكمل لفوق.. عندي في التالت!
قلبي دق بسرعة جنونية. طلعت السلم خطوة خطوة وأنا ماشية ورا السلك. السلك معدي من جنب باب شقتي، ومكمل على السلم الخشب اللي طالع للسطوح! طلعت درجات السلم الخشب اللي بتزيق براحة، وبصيت فوق.. في زاوية السقف بين شقتي والدور الرابع الفاضي، كان السلك بينتهي عند علبة صغيرة سودا، متثبتة بمسامير في الحيطة وموجهة بالظبط على.. باب شقتي وعتبة السلم اللي قدامه!
كاميرا! كاميرا صغيرة جداً، عدستها ميكروسكوبية، منورة لمبة زرقا خافتة مبتظهرش غير لو ركزت فيها أوي في الضلمة! رجعت خطوة لورا وخبطت في الحيطة، إيدي غطت بؤي عشان مطلعش صرخة. الكاميرا دي متوصلة بالنت أو بتسجل على كارت ميموري، ومحطوطة في مكان يكشف مين طالع ومين نازل من عندي، وبالذات.. باب شقتي!
طب لو الكاميرا بتصور باب شقتي، حمايا ليه قال التسجيل اللي معايا، ويعرف الباب اللي بيتفتح عليكي في الضلمة دي بيخرج منه مين؟! أنا مبفتحش الباب أصلاً! إلا إذا.. إلا إذا كان فيه حد بيطلع فعلاً، أو حد بيتعمد يظهر في الكاميرا قدام بابي؟!
عقلي كان هيتشل. نزلت شقتي بسرعة، قفلت الباب عليا وأنا برتعش. الموضوع مكنش مجرد مكيدة حما وسلفة غيرانين، ده فخ معمول بهندسة، فخ مدروس عشان يتدمر بيتي وتضيع سمعتي وتطرد في الشارع ويسيبوا طارق يطلقني غيابي وميقدرش حتى يدافع عني.
الساعة كانت بقت تلاتة العصر. مرتضى، حمايا، كان زمانه نايم نومة القيلولة، وشيرين بتكون مع عيالها تحت. أنا كان قدامي حلين يا إما استنى لحد العشا لما النور يقطع ويحصل اللي بيحصل وأنا محبوسة جوة مش فاهمة، يا إما أواجه الفخ ده بحاجة تكسره قبل ما يتقفل عليا.
بس عشان أكسره، لازم أفهم مين الخيال اللي بيطلع على السلم ده؟ شيرين عندها أخ اسمه وائل، شاب صايع وعاطل وبتاع مخدرات، بييجي العمارة كتير يقعد مع أخته ومع حمايا بحجة إنه بيساعدهم في مشاوير أو يجيب طلبات. وائل ده بالذات كنت دايماً بحسه بيبصلي بنظرات مش مظبوطة لما بنتقابل صدفة على السلم، وكنت دايماً بتجنبه وبدخل شقتي بسرعة. هل وائل له يد في الموضوع؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *