حمايا

بصوت مهزوز مش قادر يداري الفضيحة طارق.. يا ابني إنت اتجننت؟ إنت جايب الحكومة على أبوك في نصاص الليالي عشان كلام فارغ؟ دي.. دي كانت حركة عشان أربيها! عشان أضبطها متلبسة مع اللي بيطلعلها هنا كل ليلة!
مين اللي بيطلعلها يا كداب؟! الكلمة طلعت من زوري زي الرصاصة. مكنتش خايفة خلاص، الخوف مات في اللحظة اللي شوفت فيها طارق واقف بضهره ليا وشه ليهم. روحت شديت الموبايل القديم من ورا الباب، وشديت كشاف السنسور من ورا ماسورة الغاز، ونزلت درجتين ووقفت جنب طارق شوف يا حضرة الظابط.. شوف يا طارق الكاميرا دي مسجلة إيه من أسبوعين لحد اللحظة دي! شوف مين اللي كان بيطلع، ومين اللي كان بيفصل الكهربا من تحت، ومين اللي ركب كاميرا مراقبة فوق بابي عشان يلفقلي فيديوهات!
ظابط المباحث قرب بهدوء محترف، شاور لأمين الشرطة حرز المفتاح ده يا بني من على الأرض، وهات التليفون اللي في إيد الست دي. شيرين رجعت لورا خطوة وصرخت بهستيريا تليفون مين؟! محدش يلمس تليفوني! ده بيت عيلة وده حمايا ودي مشاكل عائلية ملكوش دعوة بيها! الظابط رد ببرود حاسم ونبرة مفيهاش هزار مشاكل عائلية لما تضربوا بعض بالقلم، إنما لما يتفتح بلاغ رسمي عن شروع في اقتحام وشبهة ابتزاز وتلفيق تهمة وتركيب كاميرات مراقبة غير مرخصة تكشف حرمة منزل بدون إذن نيابة، ده شغلنا إحنا. هاتي التليفون بهدوء عشان منعملش مشهد ميعجبكيش في الحارة كلها.
شيرين رمت التليفون على السلم وهي بتعيط وتندب والله ما أنا! والله العظيم عمي هو اللي قالي! هو اللي كان عايز يطفشها عشان الشقة تفضى لمرتضى أخوك ولعيالي! هو اللي جه وقالي البت دي لازم تخرج بفضيحة عشان طارق يرمي عليها اليمين ومياخدش عياله ولا يدفع مليم مؤخر ونفقة! هو اللي خطط لكل ده وأنا يدوب كنت بنفذ كلامه!
الكلام نزل على طارق زي الصاعقة اللي شلت أركانه. طارق ساب الحيطة وقرب من شيرين بخطوة مرعبة، صوته كان كأنه طالع من بير عميق عشان الشقة؟! عشان شقة طوب وأسمنت، تبيعي شرف أخو جوزك، وتخوضي في عرض واحدة شايلاك في عينها ومستحملاكي؟! وتعملوا فيها كده وتسيبوا عيالي.. كرمة اللي لحمها لسه طري ويونس الصغير.. في الضلمة والحر والعطش أسبوعين كاملين؟!
حمايا بص في الأرض، للمرة الأولى في حياتي أشوف الراجل اللي كان صوته بيهز العمارة كلها، الراجل اللي كان بيتباهى بالسبحة والصلاة في أول صف، مكسور ومنكس راسه في الأرض زي الحرامي الرخيص. حاول يمسك في هدوم طارق يا طارق يا بني.. استهدى بالله، إنت هتصدق الغريبة وتكدب أبوك؟ أبوك اللي شقي عليك ورباك؟! أنا كنت خايف عليك.. خايف من الوحدة والفتنة في غيابك!
طارق نفض إيد أبوه من على هدومه بقوة خلت حمايا يترنح ويسند على درابزين السلم. كانت دي أوجع لحظة.. اللحظة اللي الابن بيكتشف فيها إن الملاك اللي كان بيعبده على الأرض طلع هو الشيطان اللي بيطعنه في ضهره. فتنة إيه يا حج؟! فتنة منين
وإنت اللي بتفصل العداد بإيدك كل يوم بعد ما ترجع من الجامع؟! إنت متكسفتش من ربنا وإنت خارج من بيت ربنا ورايح تقطع المية والنور عن أطفال رضع؟ متكسفتش وإنت مطلع وائل أخو شيرين يستخبى في الدور الرابع ويطلع خياله على السلم عشان الكاميرا تلقطه؟!
أنا اتسمرت مكاني لما سمعت طارق بيقول كده.. إنت.. إنت عرفت منين حوار وائل ده يا طارق؟! سألته وأنا مذهولة.
طارق التفت ليا، وعينه كانت بتلمع بالدموع المكتومة، دموع راجل اتهد كيانه كله في ليلة واحدة أنا عرفت كل حاجة يا نادين.. التغريدة اللي نزلتيها أول يوم، شافها واحد صاحبي مهندس معايا في الشركة هناك، وراني البوست وسألني هي دي نادين مراتك؟ أنكرت في الأول من كسفتي، بس لما كلمتك الصبح ولقيتك منهارة، ولما قفلتي معايا السكة، قلبي وكلني.. معرفتش أقعد ثانية واحدة. حسيت إن فيه مصيبة سودا بتحصل في البيت ده.
طارق مسح وشه بكفه وكمل، وهو باصص لشيرين وأبوه بقرف نزلت حجزت على أول طيارة طلعت من الرياض لمطار القاهرة.. وصلت الساعة تمانية بالليل. مروحتش على البيت، روحت على القهوة اللي في أول الحارة عند صاحب عمري إبراهيم. وإبراهيم قالي يا طارق، بقالي أسبوع شايف وائل أخو شيرين بييجي العمارة عندكم في أوقات غريبة، بعد العشا بالذات، ويطلع على السطوح وينزل متسحب. كلمت معارف ليا في المباحث وجيت على هنا فوراً، ولما دخلت مدخل العمارة وشوفت لوحة الكهربا مفصولة بالمنظر ده، عرفت إن كل كلمة نادين قالتها كانت حق، وإنكم كنتوا بتدبروا لجريمة!
الظابط مسك التليفون بتاع شيرين، وشغل الكاميرا وشاف الفيديوهات المتسجلة، ولقى في الرسايل محادثات واضحة وصريحة بين شيرين وأخوها وائل، متفقين فيها على الساعة اللي هيطلع فيها يقف قدام شقتي عشان حمايا يلقطه بالكاميرا ويحبك التمثيلية. بص الظابط لحمايا وقال بلهجة حازمة الحاج فضل.. والمدام شيرين.. اتفضلوا معانا على القسم بهدوء، عشان البلاغ اللي اتقدم رسمي، والمفتاح اللي كان في إيدك ده هيتعمل بيه محضر معاينة شروع في انتهاك حرمة منزل وتلفيق.
حمايا في اللحظة دي ركبه خانته، وقع على ركبه على درجات السلم، وبدأ يصرخ بعياط ذليل أبوس إيدك يا طارق! أبوس رجلك يا ابني استر عليا! ده أنا أبوك! شيبتي وفضيحتي في الحارة وسط الناس! متخليهمش ياخدوني بالكلابشات في آخر عمري!
طارق فضل باصص له لثواني طويلة.. صمت تقيل كان أطول من كل الليالي اللي عشتها في الضلمة. الصمت ده كان طارق بيدفن فيه كل ذرة احترام وتقدير كان شايلها لأبوه طول عمره. قرب طارق من أبوه، ونزل لمستواه، وهمس بصوت كان بيتقطع من القهر شيبتك إنت اللي دوست عليها برجلك لما فكرت تنهش في لحم عيالي وعرضي. إنت اللي مسبتش للستر مطرح يا حج. أنا مش هحبسك.. عشان اسمي واسم عيالي اللي شايلين اسمك، وعشان ربنا هيحاسبني لو رمتك في الحبس.. بس من اللحظة دي، إنت ملكش ابن اسمه طارق.
التفت طارق للظابط وقال بنبرة ميتة يا باشا، أنا هتنازل عن المحضر ضد أبويا بس عشان سنه، لكن شيرين وأخوها وائل يتاخدوا ويتحاسبوا على كل مليم وكل تدبير عملوه، وأنا هقدم التسجيلات دي رسمياً عشان حق مراتي وعيالي.
الظابط فهم الموقف، أومأ براسه بإشارة احترام لكسرة طارق ونخوته، وشاور للعساكر هاتي الست دي، وابعتوا دورية تجيب المدعو وائل من بيته حالاً. شيرين كانت بتصرخ وهي نازلة على السلم متسحبة، بتستغيث بحمايا اللي كان قاعد على الأرض يلطم في صمت، والناس
في الشارع بدأت تتجمع وتتفرج على الفضيحة اللي كانوا عايزين يلبسوها ليا، فلبستهم هما الاتنين قدام الدنيا كلها.
العمارة فضيت فجأة.. مفيش غير صوت أنفاسنا التقيلة على بسطة السلم. حمايا فضل قاعد في ركن السلم زي الكوم المهجور، مكسور، عينه مش قادرة تترفع في عيني ولا في عين ابنه. طارق مبصلوش ولا بصلة تانية، التفت ليا، وشاف الدموع اللي في عيني، وشاف آثار الإرهاق والسهر اللي حافرين وشي.
دخل ورايا الشقة، وقفل الباب وراه بالترباس والمفتاح. أول ما دخل، سمع صوت كرمة بتصحى في الأوضة وبتعيط، ويونس بيتقلب في السرير. طارق دخل الأوضة، وطى على سرير العيال، وحضن كرمة ويونس ودفن وشه في صدورهم وانفجر في العياط.. عياط راجل اتهد حيله وحس إنه كان هيضيع أغلى ما يملك في لحظة عمى.
قعدت جنبه على السرير، وحطيت إيدي على كتفه. رفع راسه وبصلي، عنيه كانت غرقانة دموع، ومسك إيدي وباسها حقك عليا يا نادين.. حقك على راسي وجزمتك فوق دماغي. أنا اللي قصرت، أنا اللي سيبتك وسط وحوش وظلمتك وصدقت إنهم أهلي اللي هيصونوكي. سامحيني يا أم عيالي.. سامحيني والله ما هسيبك تتظلمي دقيقة واحدة تانية.
هزيت راسي ودموعي بتنزل براحة، دموع الانتصار بعد القهر المهم إنك عرفت الحق يا طارق.. المهم إنك شوفت بعينك وماتسيبناش للضلمة دي تاني.
طارق مسح دموعه فجأة، وقام وقف، وشه اتحول لحزم وجدية عمري ما شوفتها فيه قبل كده. فتح دولاب الهدوم، وطلع الشنط الكبيرة، ورماها في نص الصوضة جهزي الهدوم يا نادين.. لمي كل حاجة تخصك وتخص العيال. بصيت له باستغراب دلوقتي يا طارق؟ في نص الليل؟ رد بحسم وهو بيقفل أول شنطة دلوقتي.. الدقيقة اللي هتقعدوها في البيت ده حرام، التراب اللي في البيت ده ميتلمسش بعد الليلة دي. أنا مأجر شقة مفروشة في التجمع من المطار قبل ما أجي، هنقعد فيها لحد ما تأشيرتكم تطلع، ومش هسافر خطوة واحدة برة مصر إلا وإنتي والعيال في إيدي، على طيارتي، وقدام عيني.
في خلال ساعة، كانت الشنط جاهزة ومقفولة. نزلت شايلة كرمة، وطارق ماسك إيد يونس وشايل الشنط على ضهره وفي إيديه. ونحنا نازلين على السلم، حمايا كان لسه قاعد في شقته تحت، الباب كان موارب، وشوفته من فتحة الباب قاعد على كرسيه في الضلمة، مشغلش النور عنده، والسبحة وقعت من إيده على السجادة، راجل عجوز وحيد، كسب الشقة الفاضية اللي كان بيتخانق عليها، بس خسر ابنه وعياله وسمعته وشرفه للأبد.
خرجنا من باب العمارة للشارع، هوا الفجر النظيف ضرب في وشي، حسيت لأول مرة من سنين إني قادرة أتنفس بجد. العربية كانت مستنية على أول الحارة، حطينا الشنط وركبنا، وطارق مد إيده ومسك إيدي وضغط عليها بقوة، كأنه بيطمني إن خلاص.. كابوس الضلمة انتهى، والشمس اللي طالعة مع أذان الفجر دي، طالعة عشان تنور حياتنا من أول وجديد.
