سافر والدة بقلم محمد عبده

 

كريم وقف مكانه… مش مستوعب.

 

يعني إيه؟

 

يعني أبوه… اتبرع بكل حاجة؟

 

يعني مفيش رجوع؟

 

رن عليه فورًا…

 

الموبايل مقفول.

 

اتصل على حد من البلد…

 

والرد اللي سمعه خلّى الدنيا تسود في وشه:

 

—الحاج عبد الرحمن ساب البيت يا أستاذ كريم… ومشي من امبارح.

 

—مشي؟ راح فين؟

 

—ما حدش عارف… بس سايب رسالة ليك عند الشيخ في الجامع.

 

قلب كريم بقى بيدق بعنف…

 

وحس لأول مرة في حياته…

 

إنه خسر حاجة…

 

ممكن ما ترجعش أبدًا.

 

وفي اللحظة دي…

 

فهم إن اللي حصل امبارح…

 

ما كانش مجرد إحراج.

 

دي كانت… بداية النهاية.

وصل كريم القرية قبل الفجر… بعربية مستأجرة، وقلبه بيخبط كأنه بيجري سباق.

 

البلد كانت هادية… سكون تقيل، بس فيه حاجة غريبة في الجو… كأن كل حاجة عارفة اللي هو لسه هيعرفه.

 

نزل قدام الجامع الكبير.

 

الشيخ كان مستنيه.

 

بص له بنظرة فيها عتاب هادي، وقال:

 

—اتأخرت يا ابني.

 

—بابا فين؟!

 

الشيخ ما ردش فورًا… بس سلّمه ظرف صغير.

 

—قاللي أديهولك… لو جيت.

 

إيد كريم كانت بتترعش وهو بيفتحه.

 

الورقة جواه كانت قصيرة… بس كفاية تكسر أي بني آدم:

 

“يا كريم…

أنا مش زعلان منك. الزعل محتاج قلب فاضي… وأنا قلبي مليان تعب.

أنا سامحتك… بس مش هقدر أرجع زي الأول.

أنا ماشي أكمّل اللي فاضل من عمري في مكان محدش فيه يعرفني… ولا يحرج مني.

خلي بالك من ابنك… يمكن الأيام تعلمك اللي ما عرفتش أعلّمهولك.

وأمك… افتكرها كل سنة… حتى لو بشمعة لوحدك.

— أبوك”

 

الورقة وقعت من إيده.

 

—يعني إيه ماشي؟! راح فين؟!

 

الشيخ بص له بحزن:

 

—ساب كل حاجة… البيت، الأرض، حتى هدومه القديمة. مشي قبل الفجر بيقول “اللي ليّا خلص… واللي عليهم يبدأ.”

 

كريم حس إن رجله مش شايله.

 

خرج يجري على بيتهم القديم…

 

الباب كان مفتوح.

 

دخل…

 

البيت فاضي.

 

مفيش غير سرير خشب قديم… وكوب شاي ناشف عليه أثر إيد.

 

وقتها بس…

 

انهار.

 

وقع على الأرض وعيط… عياط طفل، مش راجل.

 

—سامحني يا بابا… سامحني!

 

بس الصوت رجع له… صدى بس.

 

مفيش حد يرد.

 

عدّى شهر…

 

ثم اتنين…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *