سافر والدة بقلم محمد عبده

سافر والده ذو الـ78 عامًا سبع ساعات، يحمل طعامًا من الريف وشمعة لذكرى زوجته الراحلة… لكن عائلته نفسها أجلسوه بعيدًا وقدّموا له طبقًا باردًا. نظر فقط إلى المائدة الممتلئة بالطعام وقال بهدوء: “أنا أكلت في الموقف.”
—لو بابا جه النهارده، قولوا له مش موجودين. ما ينفعش أظهر قدام الشركاء ومعايا راجل فلاح بالشكل ده.
الحاج عبد الرحمن سمع الجملة دي قبل ما ابنه كريم يقفل المكالمة.
وقف مكانه على الرصيف، كيس في إيده وشمعة بيضا في الإيد التانية. كان عنده 78 سنة، ضهره محني من سنين الشغل في الأرض، وجزمته مليانة تراب بعد رحلة طويلة من قرية قريبة من بني سويف لحد القاهرة.
ما كانش مبلغهم.
كان عايز يعمل مفاجأة… يشوف كريم، ويحضن حفيده ياسين، ويولّع شمعة لروح الحاجة فاطمة، زوجته، اللي توفت من 3 سنين بالظبط.
في الكيس كان شايل جبنة بلدي عاملها بإيده، ومخلل، وعيش فلاحي، وأفوكادو، وكراسة قديمة، وظرف فيه فلوس محوشها من شهور عشان تعليم ياسين.
كريم دايمًا كان بيقول إنه مشغول في البنك، وإن الحياة في القاهرة غالية، وإن المسؤوليات كتير. والحاج عبد الرحمن عمره ما اشتكى. حتى لما أهل البلد كانوا يقولوا إن ابنه نسيه، كان بيرد:
—ما تقولوش كده… ابني بيتعب عشان يعيّش عيلته كويس.
علشان كده، رغم إن الكلام وجعه، ما زعلش. أخد نفس عميق، وضبط الكيس تحت دراعه، وخبط الجرس.
الباب اتفتح بسرعة.
ندى، مرات ابنه، ظهرت بفستان شيك وشعر متظبط، وابتسامتها اختفت أول ما شافته.
—يا حاج عبد الرحمن… حضرتك هنا؟
—جيت أديكم شوية حاجات من البلد بس يا بنتي… مش عايز أزعجكم.
وراها، البيت كان مليان موسيقى هادية، وكاسات، وأكل فاخر: جمبري، فراخ بصوص مخصوص، رز، سلطات، وحلويات جاهزة. وفي الصالة، كريم كان قاعد مع مديره في البنك، الأستاذ سامح، راجل أنيق ونظراته حادة.
وش كريم اتغير.
—بابا… ليه ما قلتش إنك جاي؟
—كنت عايز أشوفكم بس شوية.
قبل ما يكملوا كلامهم، ياسين جري عليه.
—جدو!
حضنه بقوة، وفي اللحظة دي الحاج عبد الرحمن حس إن الرحلة كلها كانت مستاهلة.
—جبتلك جبنة يا حبيبي… اللي بتحبها.
ياسين أخد الكيس بفرحة وجري على المطبخ. ندى مشيت وراه وهي بتتمتم:

