في جنازة والدي

في جنازة والدي، وقف أخي فجأة وقال بصوت واضح:
“لازم نبيع البيت فورًا عشان نغطي ديوني… 340 ألف دولار بسبب القمار.”
ثم التفتت أمي نحوي وأضافت بهدوء غريب:
“وأنتِ كمان لازم تلاقي مكان تاني تعيشي فيه.”
قالتها وكأنها أبسط قرار في الدنيا.
أربعون شخصًا كانوا جالسين يشاهدونني وأنا أُمحى من حياتي… إلى أن احتكّ كرسي بصوت عالٍ في آخر القاعة، وتكلم محامي العائلة قائلاً:
“أخشى أنكما لم تفهما تعليمات الأستاذ فؤاد الأخيرة.”
ساد الصمت المكان بالكامل… واختفت ابتسامة أخي في لحظة.
—
كان الهواء داخل قاعة “الرحمة التذكارية” في القاهرة ثقيلًا برائحة الزهور البيضاء والمشاعر المصطنعة… ذلك النوع من الحزن الذي يبدو مرتبًا أكثر من اللازم، كأن الناس يمثلون الحزن بدل أن يشعروا به.
حوالي أربعين شخصًا جلسوا في صفوف منظمة، يرتدون الأسود، يهمسون بهدوء، ويخفضون رؤوسهم في التوقيت المناسب.
أما أنا، فكنت أجلس في الصف الثالث، متيبسة على المقعد المخملي، أشعر وكأنني لست ابنة… بل مجرد شخصية يتم حذفها من القصة.
على يساري، كانت أمي “نهى فؤاد” ترتدي حزنها كما ترتدي مجوهراتها… بعناية، بتناسق مثالي، وبشكل لا يسمح لأحد بالتشكيك فيه.
وعلى يميني، كان أخي “كريم” يضبط أزرار أكمامه باستمرار، متوتر… ليس حزنًا، بل ترقبًا.
في الأمام، كان نعش والدي، “فؤاد عبد الرحمن”، المصنوع من الخشب الفاخر، محاطًا بالزهور.
أربعون عامًا قضاها يبني حياته قطعة قطعة…
والآن، قبل أن تذبل الزهور حتى، بدأت تلك الحياة تتقسم.
—
صعد كريم إلى المنصة وبدأ كلمته بصوت متقن.
تحدث عن رحلات الصيد، عن الدروس، عن مواقف طيبة… بالكاد تعرفت عليها.
كل شيء بدا مصقولًا… وكأنه محفوظ مسبقًا.
ثم تغيّر صوته.
لم يغادر المنصة.
أمسك الحواف بقوة، وخفّض نبرته وكأنه يحمل عبئًا ثقيلًا.
“زي ما أغلبكم عارف…” قال،
“رحيل بابا خلّف ورانا ظروف صعبة. وبعد ما اتكلمت مع ماما، قررنا إن أفضل حل هو بيع البيت اللي في التجمع فورًا… عشان نغطي التزامات عائلية.”
همهمة خفيفة سرت في القاعة.
كنت أعرف بالضبط ما يعنيه.
ديونه في القمار.
340 ألف دولار من القرارات الغلط… شيء كانت أمي تحاول تخفيفه بكلام مبهم منذ شهور.


