كنت علي وشك

كنت على وشك إعلان خبر زواجي، بعد اتفاق رسمي بين العائلتين، وفي حضور جمع من كبار الشخصيات، عندما حدث شيء لم أتخيله أبدًا.
دخلت طفلتان صغيرتان إلى قاعة الطعام، اقتربتا بهدوء من طاولتي، توقفتا أمامي، نظرتا في عينيّ مباشرة، وقالتا بصوت خافت هزّ كياني:
“إنت بابانا.”
ساد الصمت فجأة.
حتى صوت الملاعق اختفى.
الأنظار كلها اتجهت نحوي.
كانت الفتاة التي بجانبي، ريم عبد الرحمن، والتي كنت أنوي التقدم لخطبتها رسميًا بعد قليل، تنظر إليّ باستغراب:
“حضرتك تعرف الأطفال دول؟”
لكن الطفلتين لم تنظرا إليها.
كل تركيزهما كان عليّ.
نفس العيون…
نفس الملامح…
شيء بداخلي انهار.
وقبل أن أنطق، جاء صوت من الخلف:
“يا بنات… تعالوا.”
التفتّ…
وتجمدت في مكاني.
سلمى محمود.
الاسم الذي حاولت أن أنساه لسنوات.
قبل سبع سنوات، كانت بيننا نية زواج بالحلال، وتم الاتفاق بين الأسرتين، لكن خلافات كبيرة حدثت فجأة… فانسحبت من حياتها دون أن أواجه الحقيقة.
اقتربت بهدوء، وعلى وجهها قوة لم أكن أعرفها من قبل.
قالت: “مساء الخير يا أحمد.”
وقفت ريم بقلق: “مين دي؟”
ردت سلمى بثبات: “أنا الإنسانة اللي كان مفروض تبقى زوجته… لكنه اختار يختفي.”
ثم وضعت يدها على كتف الطفلتين: “ودول… ليلى ونور.”
“بناته.”
تجمّد الكلام في فمي.
هذه المرة لم يكن هناك شك…
الحقيقة كانت واضحة.
نظرت ريم إليّ بصدمة: “الكلام ده صحيح؟”
لم أستطع الإنكار.
خفضت رأسي.
منذ سنوات… أخبرتني سلمى أنها حامل بعد عقد القِران الذي لم يكتمل بسبب المشاكل.
وبدل ما أتحمل مسؤوليتي…
هربت.
تركتها تواجه كل شيء وحدها.
همست: “أنا… كنت فاكر إن الموضوع انتهى…”
نظرت إليّ بمرارة: “لا، يا أحمد… أنت اللي هربت من النهاية.”
الطفلتان كانتا تنظران إليّ…
ليس بحب…
ولا بكره…
بل بسؤال صامت: هل هذا الرجل يستحق أن يكون أبًا لنا؟
قالت لهما سلمى: “سلموا.”
قالتا بأدب: “السلام عليكم يا أحمد.”
لم تقولا “بابا”.
وهذا كان أقسى من أي لوم.
أمسكت ريم حقيبتها وقالت بهدوء: “أنا مش هكمل في حاجة مش واضحة من الأول.”
وغادرت.
ولأول مرة في حياتي…
شعرت أن كل نجاحي لا يساوي شيئًا.
نظرت إلى الطفلتين…
إلى سنوات ضاعت مني.
ثم قلت بصوت مكسور: “ممكن نتكلم…؟ أنا عايز أصلّح اللي ينفع يتصلّح.”
سكتت سلمى قليلًا…
ثم أخرجت إحدى الطفلتين ظرفًا صغيرًا وأعطته لي.




