بابا مش دي امي بقلم محمد عبده

“بابا… دي ماما.”

 

قالها ابني آدم، عنده 8 سنين، وهو بيشاور بإيده على ست قاعدة في الشارع… بعد 3 سنين كاملة من اليوم اللي ودّعنا فيه أمّه.

 

خمس كلمات همستها الست دي بعد كده… قلبت كل حاجة كنا فاهمينها.

 

—

 

الولد اللي عرف أمه قبل أي حد

 

“بابا… دي ماما.”

 

كريم منصور كان تقريبًا هيمشي ومش هياخد باله.

 

صوت ابنه آدم كان واطي جدًا، لدرجة إن دوشة الشارع في وسط البلد في القاهرة كادت تغطي عليه. كان يوم سبت مشمس، والناس ماشية قدام مول كبير، شايلين أكياس ومحلات القهوة مليانة. ضحك أصحاب، صوت بائعين، ومغني شاب واقف على الرصيف بيعزف جيتار.

 

كل حاجة كانت طبيعية جدًا…

 

لحد ما آدم وقف فجأة.

 

إيده الصغيرة مسكت إيد أبوه بقوة.

 

كريم بص له، ولاحظ إن لون وشه اختفى.

 

“قلت إيه يا حبيبي؟”

 

آدم رفع إيده وهو بيرتعش، وشاور ناحية حيطة جنب مكتبة مقفولة.

 

كان في ست قاعدة على كرتونة مفروشة على الأرض.

 

لابسة جاكيت رمادي قديم، واضح إنه مش دافي كفاية لهوا العصر البارد.

 

شعرها متلخبط.

 

جزمتها مهلوكة.

 

وشها شايل تعب سنين… تعب مش مفهوم.

 

دموع آدم بدأت تتجمع في عينه.

 

وقال بصوت مكسور:

“دي ماما.”

 

قلب كريم وقع.

 

مراته، ندى منصور… كانت “ماتت” من 3 سنين.

 

على الأقل… ده اللي الكل كان فاكره.

 

وقف في العزاء.

 

استقبل عزاء الجيران وزمايله وأصحابه.

 

كل ليلة كان بيحضن آدم وهو بيعيط لحد ما ينام.

 

اتعلم يعمل له سندوتشات المدرسة.

 

يمشط له شعره قبل التصوير.

 

ويرد على أصعب سؤال ممكن طفل يسأله:

 

“ماما لسه سامعاني؟”

 

وقتها كان بيهز راسه بهدوء ويقول:

“لأ يا آدم… ماما مش هنا.”

 

لكن آدم المرة دي… ما اتحركش.

 

“بابا… بص عليها كويس… بجد بص.”

 

كريم لف تاني…

 

والست رفعت وشها ببطء.

 

وفي اللحظة دي…

 

كل حاجة حواليه اختفت.

 

كانت أرفع بكتير من اللي فاكره.

 

أضعف…

 

خدودها غائرة.

 

شفايفها ناشفة.

 

وعيونها شايلة حزن… أكبر من السنين اللي عدت.

 

لكن…

 

كانت نفس العيون.

 

عيون ندى.

 

—

 

يتبع…

كريم حس إن رجله تقيلة… كأنه اتجمد مكانه.

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *