الفستان الاصفر

الفستان الأصفر

 

“خلي البنت تساعد وتشيل الأطباق… ده أكيد اللي متعودة عليه أصلًا.”

 

قالتها أختي نهى وهي بتضحك بصوت عالي في جنينة الفيلا، ودفعت رزمة أطباق ورق في إيد بنتي.

 

وقفت ليلى مكانها فجأة… كأن الزمن اتجمد.

 

عندها 14 سنة، جسمها رفيع وقلبها أرق من إنه يستحمل القسوة، وكانت لابسة فستان أصفر بسيط… الفستان اللي اشترته من فلوس شغلها في رعاية الأطفال بعد ما وفّرت تقريبًا شهر كامل.

 

الفستان ما كانش غالي… وما كانش من المحلات اللي نهى ممكن تعترف بيها أصلًا، لكن ليلى اختارته بنفسها من محل صغير في وسط البلد، لأنها—زي ما قالت لي—”شكله زي الشمس”.

 

كيته مرتين الصبح، وسرّحت شعرها البني الفاتح ورا ودانها، ولبست إسورة فضة صغيرة كانت جايباها من معرض المدرسة… ووقفت قدامي قبل ما نخرج، بعينين مليانين أمل خجول يوجع قلب أي أم.

 

“شكلي حلو يا ماما؟”

 

لمست خدها وقلت الحقيقة:

“إنتِ جميلة يا حبيبتي… أوعي تخلي حد يحسسك إنك أقل من كده.”

 

لكن دلوقتي… في جنينة أختي المثالية في كومباوند راقي في القاهرة الجديدة… كنت شايفة بنتي بتطأطئ عينيها، والناس الكبيرة حواليها بيبتسموا وهم ماسكين كوباياتهم… كأن اللي بيحصل عادي.

 

الشواية مولعة ورا جوز نهى، والنجيلة متقصوصة كأنها صورة من مجلة، والترابيزة الطويلة مليانة أكل: فول بالصلصة، سلطة درة، عصير ليمون، بيض محشي… كل حاجة المفروض تدل على “لمة عيلة سعيدة”.

 

لكن تحت كل ده… كان فيه إحساس قديم جدًا.

 

الإحساس اللي عرفته وأنا صغيرة…

 

إن الحب في عيلتنا ليه شروط… وليه أماكن محددة… ومكاني أنا دايمًا كان في آخر الترابيزة.

 

أمي، سعاد، هي اللي أصرت نروح.

 

“دي عيلة يا دينا… ماينفعش تفضلي مخبية ليلى طول عمرها. لازم تعرف أهلها.”

 

المشكلة إن ليلى فعلًا كانت عارفاهم كويس…

 

عارفة نظرة نهى للهدوم قبل ما تبص لوشوشنا…

عارفة إن أولادها بيتشكروا على أي حاجة… حتى على وجودهم، وهي بيتقالها تتحرك بهدوء وكأنها زيادة…

عارفة إني بشتغل في مكتبة عامة طول الأسبوع، وبعمل حلويات في مطعم صغير في الويك إند…

وإن نهى—اللي اتجوزت رجل أعمال كبير وعايشة في فيلا ورا بوابات حديد—بتحب تذكر ده دايمًا… كأنه تفسير كامل لحياتي.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *